بكين تستثمر علاقتها مع روسيا وانفتاحها على أميركا لتعزيز الاستقرار العالمي


 متابعة/المدى

تحولت بكين خلال الأشهر الأخيرة إلى مركز ثقل دبلوماسي عالمي بعد استقبالها زعيمي روسيا والولايات المتحدة خلال فترة زمنية قصيرة، لتصبح الصين الدولة الوحيدة التي استضافت قادة الدول الأربع الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن خلال أقل من ستة أشهر، في مشهد يعكس تصاعد دورها في إعادة تشكيل التوازنات الدولية وسط اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة.

وشهدت العاصمة الصينية، الأسبوع الماضي، محطة بارزة في العلاقات الصينية الروسية مع استقبال الرئيس الصيني شي جين بينج لنظيره الروسي فلاديمير بوتين داخل قاعة الشعب الكبرى، حيث اتفق الجانبان على المضي بتمديد معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين.
وعقب المباحثات، أصدرت بكين وموسكو بيانين مشتركين بصورة غير معتادة، ركز الأول على توسيع التنسيق الاستراتيجي وتعزيز التعاون الثنائي، فيما دعا الثاني إلى ترسيخ نظام عالمي متعدد الأقطاب وبناء نمط جديد للعلاقات الدولية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تعمق الشراكة السياسية بين الطرفين.
كما وقع الجانبان عشرات الاتفاقيات الثنائية شملت مجالات التجارة والتعليم والعلوم والطاقة، ما يعكس توجهاً نحو توسيع الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينجهوا تشو بو أن العلاقات بين الصين وروسيا تقوم على مفهوم “الشراكة غير المنحازة”، موضحاً أن البلدين لا يرتبطان بتحالف عسكري تقليدي ولا يفرضان على بعضهما التزامات عسكرية مباشرة، بل يعتمدان نموذجاً قائماً على الثقة والتنسيق بعيداً عن صيغ الأحلاف القديمة.
وأشار إلى أن التصريحات التي أطلقها الرئيس الصيني بشأن كون العلاقات مع موسكو “ركيزة للاستقرار الدولي” تعكس رغبة الطرفين في تقديم نفسيهما كعامل توازن في النظام العالمي خلال مرحلة تشهد تحولات غير مسبوقة. بدوره، أوضح مدير معهد الدراسات الأوراسية في المعهد الصيني للدراسات الدولية لي تسيجوه أن معاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين منذ عام 2001، والتي جرى تمديدها مجدداً، تشكل أساساً قانونياً لعلاقات قائمة على عدم العداء وعدم استهداف أطراف أخرى. وفي قراءة مستقبلية، رأى أكاديميون صينيون أن زيارة بوتين قد تفتح مرحلة جديدة من التعاون الممتد لسنوات طويلة، مع استمرار مساعي البلدين لبناء نموذج مختلف للعلاقات بين القوى الكبرى.
وبرز ملف الطاقة كأحد أبرز محاور المباحثات الصينية الروسية، خصوصاً ما يتعلق بمشروع خط أنابيب الغاز “قوة سيبيريا 2”، الذي لا يزال في مرحلة التخطيط، رغم الأهمية الاستراتيجية الكبيرة التي يحظى بها لدى الطرفين.
ويُتوقع أن ينقل المشروع نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من الحقول الروسية التي كانت تغذي أوروبا سابقاً، فيما تنظر الصين إلى المشروع باعتباره وسيلة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للتوترات الجيوسياسية مثل مضيق هرمز ومضيق ملقا.
وفي المقابل، يرى محللون أن روسيا تسعى من خلال المشروع إلى تعويض خسائرها في الأسواق الأوروبية، بينما تعمل بكين على تنويع مصادر الطاقة دون الوقوع في تبعية مفرطة لأي طرف.
وتحدث التقرير أيضاً عن التوازي بين تطور العلاقات الصينية الروسية والانفتاح الصيني على واشنطن، خاصة بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين، حيث ناقش الجانبان ملفات تتعلق بالطاقة والتجارة والاستقرار الدولي.
ويرى مراقبون أن بكين تحاول الموازنة بين علاقاتها مع موسكو وواشنطن ضمن رؤية تقوم على إدارة التنافس الدولي ومنع الانزلاق إلى صدامات كبرى قد تهدد الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، شبه أكاديميون صينيون القوى الكبرى بـ”الأطفال الكبار” في النظام الدولي، معتبرين أن استقرار العلاقات بين الصين والولايات المتحدة وروسيا ينعكس بشكل مباشر على استقرار العالم، بينما تؤدي التوترات بينها إلى اضطراب النظام الدولي وإلحاق الضرر بالدول الصغيرة والمتوسطة.
وأكد خبراء أن تطور العلاقات الصينية الروسية لا يعني بالضرورة تراجع فرص تحسين العلاقات الصينية الأميركية، بل إن بكين ترى إمكانية بناء توازن ثلاثي جديد بين القوى الكبرى. وأشار باحثون إلى أن غياب مؤسسات دولية فعالة قد يدفع مستقبلاً نحو تعزيز آليات التنسيق المباشر بين الصين وروسيا والولايات المتحدة لمعالجة القضايا العالمية الكبرى.
كما لفتت التحليلات إلى احتمال عقد لقاءات ثلاثية على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك” المرتقبة في مدينة شنتشن الصينية خلال نوفمبر المقبل، خاصة مع تأكيد الرئيس الروسي حضوره، فيما يبقى موقف الرئيس الأميركي من المشاركة محل ترقب.
ويعكس تزامن الزيارات والتحركات الدبلوماسية المكثفة في بكين سعي الصين إلى تكريس موقعها لاعباً مركزياً في إدارة التوازنات الدولية، عبر الجمع بين تعزيز شراكتها مع موسكو والحفاظ على قنوات التواصل مع واشنطن، بالتزامن مع الدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر مرونة في مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *