الحصار يضغط على نفط إيران وطهران تلوّح بصواريخ جديدة ضد السفن الأميركية


 متابعة / المدى

دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر تعقيدا، مع تزامن تشديد الحصار البحري على صادرات النفط الإيرانية مع إعلان طهران مراجعة نهجها العسكري تجاه السفن والقواعد الأميركية، والتلويح باستخدام صواريخ جديدة وفرض قيود على حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، في وقت تشير فيه بيانات تتبع السفن إلى اقتراب إيران من استنزاف الجزء الأكبر من مخزونها النفطي الموجود خارج نطاق القيود البحرية.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن الولايات المتحدة تلقت خلال الأيام الأخيرة «تحذيرا واضحا من الصواريخ الإيرانية الجديدة»، معلنا أن طهران أجرت «مراجعة أساسية» لموقفها العملياتي تجاه السفن والقواعد العسكرية الأميركية.
وكتب رضائي على منصة «إكس» أن إيران ستواجه ما وصفه بـ«الحرب الاقتصادية» من خلال إنشاء «منطقة بحرية محظورة» تمتد في الخليج العربي حتى نطاق الحصار الأميركي، مشيرا إلى أن النهج العملياتي تجاه السفن والقواعد الأميركية خضع لتغيير أساسي.
وفي موازاة ذلك، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده عارضت الحرب دائما، وترى أن حماية مصالح الشعب وأمن المنطقة تتطلب تجنب إشعال الحروب، مؤكدا أن إيران ستواصل ما وصفه بالدفاع عن نفسها وعن حقوق الشعب الإيراني.
وترافقت تصريحات رضائي مع تلويح وزارة الدفاع الإيرانية بقدرة طهران على استهداف السفن المشاركة في الحصار، وتحذيرات أطلقتها بحرية «الحرس الثوري» للسفن التي تستخدم الممر الجنوبي في مضيق هرمز.
وكشف رضائي، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي، عن تغيير في الاستراتيجية العسكرية، قائلا إن طهران نفذت قبل نحو 48 ساعة هجوما «تحذيريا» على سفينة حربية أميركية، واختبرت للمرة الأولى صاروخا «خاصا مضادا للمدمرات». وأضاف: «للمرة الأولى اختبرنا الصاروخ الإيراني المضاد للمدمرات فوق رأس سفينة أميركية»، مدعيا أن العملية دفعت الأميركيين إلى الفرار، من دون أن يحدد اسم الصاروخ.
ولم تؤكد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» استخدام إيران الصاروخ الذي تحدث عنه رضائي، لكنها قالت إن حاملة طائرات ومدمرة مزودة بصواريخ موجهة تفادتا عدة هجمات بصواريخ باليستية إيرانية، من دون إصابة أي عسكري أميركي. وتحدثت وسائل إعلام إيرانية عن استخدام صاروخ «قاسم بصير» في الهجمات الأخيرة على قطع بحرية أميركية. وقالت صحيفة «جوان» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن صاروخا من هذا الطراز أطلق من أصفهان باتجاه حاملة طائرات أميركية ومدمرة مرافقة لها، مشيرة إلى أن مداه يبلغ نحو 1400 كيلومتر. وقالت وكالة «إرنا» الرسمية إن «قاسم بصير» يعمل بالوقود الصلب، ويستخدم نظام توجيه كهروبصريا ويحمل رأسا حربيا يزن نحو نصف طن. وكانت الوحدة الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري» قد أعلنت إنتاج الصاروخ لأول مرة في 4 أيار 2025، فيما قالت مواقع تابعة للحرس آنذاك إن مداه العملياتي يبلغ 1200 كيلومتر على الأقل.
وفي ملف الملاحة، قال علي محمدي، نائب الشؤون السياسية في بحرية «الحرس الثوري»، إن منطقة خصب العمانية تمثل «حد الحصانة» للسفن التي تستخدم الممر الجنوبي في مضيق هرمز، محذرا من أن السفن التي تدخل هذا المسار قد تتعرض لخطر الإصابة عند وصولها إلى المنطقة. ودعا السفن إلى استخدام المسار الذي تحدده إيران، مؤكدا أن بحرية «الحرس الثوري» تراقب الحركة البحرية في الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان.
كما أعلن رضائي أن طهران ستحدد خلال الأيام المقبلة «منطقة محظورة» تمتد من خط الحصار الأميركي إلى موانئ التحميل ومناطق من الخليج العربي، مع إدراج السفن المخالفة على قائمة إيرانية، فيما تحدث عن اتفاق مع عمان بشأن خرائط ممر ملاحي جديد في المياه الإيرانية والعمانية.
ويأتي التصعيد العسكري في وقت تتعرض فيه صادرات النفط الإيرانية لضغوط متزايدة. ووفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، تراجعت كميات النفط الإيراني الموجودة على متن ناقلات خارج نطاق الحصار البحري الأميركي إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف تموز.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنة من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف تموز، بينما تشير تقديرات «كبلر» إلى أن الكميات الموجودة خارج نطاق القيود قد تنفد خلال الشهر المقبل.
وتواصل إيران تحميل كميات محدودة من الخام على ناقلات داخل الخليج، إلا أن هذه الشحنات لم تتمكن من الوصول إلى المشترين خارج المنطقة. وتقدر «كبلر» عمليات التسليم الحالية بنحو مليون برميل يوميا، تذهب غالبيتها إلى الصين، وهو مستوى قد يؤدي إلى استنزاف النفط الموجود على الناقلات خارج الحصار بحلول منتصف تشرين الأول.
وتظهر البيانات انخفاضا حادا في نشاط التحميل داخل الخليج، إذ بلغ متوسط الكميات المحملة خلال آب نحو 255 ألف برميل يوميا، بانخفاض قدره 85 في المئة عن متوسط الفترة بين شباط ونيسان.
ومع تقلص القدرة على التصدير، تواجه إيران احتمال خفض الإنتاج أيضا. وقال هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر»، إن عدم ارتفاع المخزونات داخل البلاد بصورة كبيرة رغم القيود يشير إلى أن المنتجين بدأوا تقليل مستويات الإنتاج لتقترب من احتياجات الاستهلاك المحلي. ولا توفر الطرق البرية بديلا واسعا، إذ تقدر قدرة إيران على نقل النفط بالشاحنات بنحو 40 ألف برميل يوميا، مقارنة بصادرات كانت تقترب من مليوني برميل يوميا قبل الحرب، فيما تفتقر البلاد إلى عدد كاف من عربات السكك الحديدية المخصصة لنقل الخام والمنتجات النفطية.
وبدأ بعض المشترين الصينيين، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة، زيادة الاعتماد على خامات من السعودية والعراق والإمارات مع تقلص الإمدادات الإيرانية. كما امتدت الضغوط إلى قطاع البتروكيماويات، ثاني أكبر مصدر للعملة الأجنبية في إيران بعد النفط، إذ تراجعت عمليات تحميل منتجاته بنحو الثلثين في آب مقارنة ببداية العام، بحسب تقديرات «كبلر».
وتنعكس أزمة الصادرات على قدرة طهران على توفير العملات الأجنبية اللازمة للواردات، بالتزامن مع ضعف الريال وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي. ووفق المعطيات الواردة، تجاوز معدل التضخم الرسمي 80 في المئة على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال العام الحالي.
وبينما لا تزال إيران تحصل على إيرادات من النفط الذي نقل إلى خارج منطقة الحصار خلال فترة التهدئة السابقة، فإن استمرار تراجع هذا المخزون يضعها أمام اختبار اقتصادي وعسكري متزامن خلال الأسابيع المقبلة، مع تشدد القيود البحرية من جهة، واتجاه طهران إلى توسيع أدوات الردع والضغط على حركة السفن الأميركية والتجارية في المنطقة من جهة أخرى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *