تحوط استراتيجي ضد الاعتماد على الدولار


 ترجمة عدنان علي

لا تعكس عمليات شراء الذهب المتسارعة التي تقوم بها الصين مجرد رغبة في تعزيز احتياطياتها؛ بل تشير إلى إعادة تقييم متنامية لمفهوم الأمن المالي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وفرض العقوبات، وحالة عدم اليقين التي تكتنف النظام النقدي الدولي، مما يدفع البنوك المركزية إلى تنويع أصول احتياطياتها بعيداً عن الأصول التقليدية.
ووفقاً للتقارير، أضاف بنك الشعب الصيني 23 طناً من الذهب في سبتمبر 2026، وهي أكبر عملية شراء شهرية له منذ نحو ثلاث سنوات، ليواصل بذلك سلسلة مشترياته المستمرة منذ 23 شهراً على التوالي. وبعد إضافات مماثلة في شهري يوليو وأغسطس، ارتفع حجم حيازات الصين المعلنة إلى نحو 2410 أطنان. كما قامت كل من بولندا وأوزبكستان وكازاخستان بتكديس سبائك الذهب، مما يسلط الضوء على تحول أوسع في كيفية إدارة البنوك المركزية لاحتياطياتها.
بالنسبة لبكين، تبدو الرؤية الاستراتيجية واضحة؛ فقد أظهر تجميد الحكومات الغربية لاحتياطيات النقد الأجنبي الروسية -عقب غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022- أن الأصول المقومة بالدولار أو اليورو والمحتفظ بها في الخارج قد تصبح عرضة للعقوبات. أما الذهب المخزن محلياً، فلا ينطوي على أي التزام تجاه جهة إصدار أجنبية، كما أنه أقل عرضة بشكل مباشر لمثل هذه القيود. ولا يعني هذا أن الصين تستعد للتخلي عن الدولار، بل يبدو أن بكين عازمة على تقليل اعتمادها على نظام مالي تحتفظ فيه واشنطن وحلفاؤها بنفوذ كبير. ويُعد الذهب أداة تحوط ضد الصدمات الجيوسياسية، رغم أن تقلب أسعاره ومحدودية استخدامه في المدفوعات الدولية الروتينية تجعل منه بديلاً غير مثالي للاحتياطيات التقليدية.
لا يقتصر هذا التوجه على الصين وحدها؛ فقد أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية اشترت ما يقرب من 39 طناً من الذهب في أغسطس، بعد أن اشترت 23 طناً في يوليو. وبات مديرو الاحتياطيات ينظرون بشكل متزايد إلى الذهب كوسيلة لتنويع الأصول، في ظل توقعات بنشوء نظام نقدي أكثر تعددية للأقطاب.
يضيف الطلب المحلي على الذهب في الصين بُعداً آخر للمشهد؛ إذ دفعت المخاوف بشأن سوق العقارات وتقلبات الأصول المالية الأسرَ والمستثمرين إلى البحث عن مخازن بديلة للثروة. كما تدعم جهود بكين لتعزيز البنية التحتية لتجارة الذهب -بما في ذلك عبر هونغ كونغ- طموحها لتوسيع دور البلاد في أسواق الذهب العالمية.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين الطلب المحلي على الاستثمار وعمليات الشراء التي تقوم بها البنوك المركزية. كما أن تراكم الذهب لا يؤدي تلقائياً إلى تعزيز المكانة الدولية للعملة الصينية (الرنمينبي)؛ فذلك يتطلب أسواقاً مالية أكثر عمقاً وانفتاحاً، وثقة أكبر في المؤسسات المالية، ومزيداً من الثقة الدولية في النظام المالي الصيني.
علاوة على ذلك، ينطوي الذهب على قيود بصفته أصلاً احتياطياً؛ فهو لا يدرّ عائداً (فوائد)، وقد يشهد تصحيحات حادة في أسعاره، كما أنه لا يضاهي الدولار من حيث السيولة أو عمق أسواق سندات الخزانة الأمريكية. ومن ثم، فإن قوة الدولار أو ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية قد يؤديان إلى تراجع أسعار الذهب، مما يجعل الاعتماد المفرط عليه أمراً محفوفاً بالمخاطر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *