ترجمة عدنان علي
تدخل العلاقات الاقتصادية بين الهند والاتحاد الأوروبي مرحلة تحولية. ويُمثل اختتام المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، التي طال انتظارها، لحظةً فارقةً في تطور إحدى أهم الشراكات الاقتصادية في العالم. فبعد أن بدأت المفاوضات عام 2007، وتوقفت لأكثر من عقد، ثم استؤنفت عام 2022، تُمثل هذه الاتفاقية أكثر بكثير من مجرد خفض تقليدي للتعريفات الجمركية. فهي تعكس التغيرات في بنية التجارة العالمية، والأهمية المتزايدة لسلاسل التوريد المرنة، والسعي المشترك لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي من قِبل اقتصادين ديمقراطيين رئيسيين.
وتتميز اتفاقية التجارة الحرة بنطاقها الواسع، إذ ألغت أو خفضت التعريفات الجمركية على 96.6% من صادرات السلع من الاتحاد الأوروبي إلى الهند، مع توفير امتيازات أو إعفاءات جمركية لأكثر من 99% من صادرات الهند إلى أوروبا. من المتوقع أن يستفيد المصدرون الأوروبيون بشكل كبير من تحسين الوصول إلى السوق الهندية، بينما قد يكتسب المصدرون الهنود قدرة تنافسية أكبر في القطاعات كثيفة العمالة والصناعية. بالنسبة للهند، تشمل الفرص المتاحة المنسوجات والملابس، والجلود، والأدوية، والسلع الهندسية، والمواد الكيميائية، والأغذية المصنعة، ومجموعة واسعة من المنتجات المصنعة. أما بالنسبة للشركات الأوروبية، فتُتيح الهند فرصًا متنامية في قطاع السيارات، والتصنيع المتقدم، والآلات، والتقنيات الخضراء، والخدمات المهنية.
يُظهر الهيكل التجاري الحالي مجالًا واسعًا للتوسع. إذ يُمثل الاتحاد الأوروبي حوالي 12% من تجارة الهند السلعية، بينما لا تُمثل الهند سوى 1% تقريبًا من تجارة الاتحاد الأوروبي العالمية. يُبرز هذا التفاوت الإمكانات الهائلة غير المستغلة للمصدرين الهنود. تتميز سلة صادرات الهند إلى أوروبا بالتنوع، حيث تُعد الوقود والزيوت المعدنية، والآلات الكهربائية، والمواد الكيميائية العضوية، والآلات، والحديد والصلب، والأدوية من بين الفئات الرائدة. كما تُعزز المركبات، وقطع غيار الطائرات، والمنسوجات، والأحجار الكريمة والمجوهرات، والجلود، والبلاستيك، والألومنيوم، حضور الهند التصديري.
يمكن أن تُصبح اتفاقية التجارة الحرة حافزًا لانتقال الهند من النمو التقليدي القائم على التصدير إلى التصنيع ذي القيمة المضافة العالية. ويُمكن أن يُشجع الوصول الأوسع إلى الأسواق الأوروبية الشركات الهندية على تحسين الجودة والتكنولوجيا والإنتاجية والامتثال للمعايير الدولية. والهدف هو الارتقاء بالشركات الهندية في سلسلة القيمة، من مُورّدي المكونات إلى شركاء التصنيع والتكنولوجيا المتكاملين. ويكتسب هذا أهمية خاصة مع سعي الهند لتوسيع صادراتها الهندسية وتعميق مشاركتها في شبكات التصنيع العالمية. ويمكن لسوق أوروبا الكبير والمتطور أن يُوفر الحجم والضغط التنافسي اللازمين لتسريع هذا التحول.
لا تُمثل تجارة السلع سوى جزء واحد من الفرصة الاقتصادية بين الهند والاتحاد الأوروبي، إذ تبرز الخدمات كركيزة لا تقل أهمية. وقد شهدت تجارة الخدمات بين الهند والاتحاد الأوروبي نموًا ملحوظًا، حيث بلغت حوالي 53 مليار دولار أمريكي في الفترة 2024-2025، مع إمكانية الوصول إلى 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030. وبالتالي، تنسجم اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي بشكل طبيعي مع استراتيجية الهند الأوسع لتنويع تجارتها. وتُعزز الاتفاقيات الأخيرة مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية والمملكة المتحدة وسلطنة عُمان ونيوزيلندا هذا التوجه. لا يهدف هذا إلى استبدال تبعية بأخرى، بل إلى بناء شبكة شراكات متنوعة تعزز مرونة الهند الاقتصادية وقدرتها التفاوضية.
وتُعتبر اتفاقية التجارة الحرة أساسًا لهيكل اقتصادي أوسع نطاقًا بين الهند والاتحاد الأوروبي. ويجب أن تتضافر التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والدفاع والتعاون الرقمي والطاقة النظيفة وسلاسل التوريد المرنة بشكل متزايد. ومن المتوقع أن يشهد العقد القادم تحولًا من علاقة بائع-مشتري إلى علاقة إبداعية مشتركة. وتعمل الشركات الهندية والأوروبية بشكل متزايد على تطوير التقنيات وتصنيع المنتجات وبناء سلاسل التوريد ودخول أسواق ثالثة معًا. ومن المتوقع أن تكتسب الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي قوة خاصة في مجالات أشباه الموصلات والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والأدوية والفضاء وتقنيات الدفاع والطاقة المتجددة والتنقل الكهربائي، وهي القطاعات التي ستشكل القدرة التنافسية للاقتصاد العالمي.