اليسار يتقدم داخل الديمقراطيين.. زخم انتخابي يربك الحزب الديمقراطي ويقلق الجمهوريين


متابعة / المدى

قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لا تدور المعركة الأميركية فقط حول الحزب الذي سينتزع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ. داخل الحزب الديمقراطي نفسه تجري معركة أخرى بدأت نتائجها تتضح في الانتخابات التمهيدية، مع صعود مرشحين تقدميين ويساريين واشتراكيين استطاع بعضهم تجاوز مرشحي المؤسسة التقليدية، مستندين إلى قاعدة انتخابية تبدو أكثر حماسة وأشد اهتماماً بقضايا المعيشة والحرب والعدالة الاجتماعية.
ويضع هذا الصعود قيادة الحزب أمام معادلة معقدة. فالزخم الذي يصنعه التقدميون يمكن أن يمنح الديمقراطيين الطاقة الانتخابية التي يحتاجون إليها لاستعادة الأغلبية في الكونغرس، فيما يسعى الجمهوريون إلى تحويل الميل اليساري داخل الحزب إلى نقطة ضعف انتخابية، عبر ربط الديمقراطيين بالاشتراكية واتهامهم بالابتعاد عن الناخب الأميركي الوسطي. لكن نتائج الانتخابات التمهيدية تشير إلى أن جزءاً من القاعدة الديمقراطية بات أقل اكتراثاً بهذه التصنيفات، وأكثر اهتماماً بمواقف المرشحين من الأجور والرعاية الصحية والأسعار وفرص العمل والسياسة الخارجية. ويعتقد مايكل هاردواي، المساعد السابق للرئيس باراك أوباما ومدير الاتصالات السابق لزعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، أن المؤسسة الديمقراطية ينبغي أن تنظر بإيجابية إلى الحماسة التي أحدثها المرشحون التقدميون. فالقضايا التي يطرحونها، ومن بينها رفع الحد الأدنى للأجور وتوسيع الرعاية الصحية، أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش السياسي داخل الحزب. ويرى هاردواي أن الخلافات الداخلية تحظى باهتمام يفوق حجمها الفعلي، قائلاً إن الديمقراطيين يتفقون على نحو 90 في المائة من القضايا، لكنهم يركزون على المساحة المتبقية من الاختلاف. وبالنسبة إليه، تصبح المحافظة على حماسة الناخبين أكثر أهمية من محاولة عزل الجناح التقدمي. وتعزز الانتخابات التمهيدية هذا الاستنتاج. فوجود الجمهوريين في البيت الأبيض وسيطرتهم على الكونغرس أسهما، بحسب الصحافية في شبكة «إن بي آر» ليندا كينيون، في تعبئة الديمقراطيين والمستقلين، بينما يمكن للصراع الداخلي بين التيارات الديمقراطية أن يتحول إلى فرصة لإعادة توحيد الحزب قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.
ويبدو أن الجمهوريين أنفسهم يراقبون هذه الحماسة بقلق. فالمسؤولة السابقة في البيت الأبيض خلال عهد جورج بوش الابن، آشلي دايفس، ترى أن انتخابات التجديد النصفي ستكشف قدرة الديمقراطيين على تحويل التعبئة الحالية إلى أصوات، وتعتبر أن فوز شخصيات تقدمية، مثل مرشح مجلس الشيوخ في ميشيغان عبد الرحمن السيد، يمكن أن يحافظ على هذا الزخم.

التقدمية تتجاوز معادلة العمر
وتكشف نتائج ماساشوستس جانباً آخر من التحول داخل القاعدة الديمقراطية. فقد فاز السيناتور التقدمي إد ماركي، البالغ 80 عاماً، على منافس أصغر سناً ينتمي إلى المؤسسة التقليدية، في نتيجة أضعفت الفرضية القائلة إن الناخبين الديمقراطيين يبحثون أساساً عن تغيير الأجيال.
ويضع هاردواي تجربة ماركي إلى جانب بيرني ساندرز، الذي حافظ على جاذبية واسعة بين الشباب رغم تقدمه في العمر. ويشير ذلك إلى أن معيار «التجديد» لدى قطاع من الناخبين أصبح مرتبطاً بالموقف السياسي والبرنامج أكثر من ارتباطه بعمر المرشح. وهنا تظهر واحدة من نقاط القوة التي بدأ الجمهوريون يلاحظونها لدى الجناح التقدمي: قدرته على استخدام خطاب اقتصادي شعبوي يصل مباشرة إلى الناخب. وترى دايفس أن هناك تشابهاً في أدوات الخطاب بين دونالد ترمب والمرشحين التقدميين، رغم التناقض السياسي العميق بينهم. فكلاهما يخاطب شعوراً متنامياً بأن المؤسسة السياسية لا تستجيب بصورة كافية لمشكلات الأميركيين اليومية، من أسعار الوقود والغذاء إلى الوظائف والدخول. وتقول إن القاعدة الشعبية، الجمهورية والديمقراطية، تشعر بأن أعضاء الكونغرس لا يفعلون ما يكفي، وهو ما يفتح المجال أمام «شخصية جديدة ورسالة جديدة». هذه المساحة تحديداً يحاول التقدميون استثمارها: نقل الصراع من التصنيفات الآيديولوجية التقليدية إلى أسئلة تكلفة المعيشة والأجور والرعاية الصحية والحرب. ويرى هاردواي أن هجمات ترمب التي تصف اليساريين بـ«الشيوعيين» تستعيد صراعات آيديولوجية قديمة، في وقت ينشغل فيه الناخب بمشكلات أكثر مباشرة، في مقدمتها ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل.

السياسة الخارجية تدخل صندوق الاقتراع
لكن الاقتصاد لم يعد العامل الوحيد. فقد برزت السياسة الخارجية بصورة أكبر في الانتخابات الحالية، بالتزامن مع نجاح مرشحين تقدميين في التغلب على منافسين يحظون بدعم المؤسسة الحزبية وجماعات ضغط نافذة مثل «أبياك».
وترتبط هذه الظاهرة، وفق كينيون، بالحرب مع إيران وما ولدته من قلق بشأن استمرار العمليات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية. فالوعود الأولية بانتهاء الحرب خلال أسابيع اصطدمت باستمرارها لأشهر، فيما يتابع الناخب الأميركي انتقال الإدارة بين الحرب والتفاوض والدبلوماسية من دون نهاية واضحة للصراع. وهكذا أصبحت السياسة الخارجية متصلة، في نظر قطاع من الناخبين، بأسئلة الداخل الأميركي: الأسعار، والإنفاق، والاستقرار الاقتصادي، وأولويات الحكومة.

حزب يتغير من الداخل
ولا يبدأ الصعود التقدمي من فراغ. فالكتلة التقدمية هي بالفعل أكبر تجمع داخل الحزب الديمقراطي في مجلس النواب، ويقترب عدد أعضائها من نصف النواب الديمقراطيين. ومع ذلك، تضم هذه المظلة اتجاهات مختلفة؛ فالتقدميون والاشتراكيون يتقاطعون في ملفات اقتصادية واجتماعية عديدة، من دون أن يشكلوا كتلة آيديولوجية متجانسة. حتى حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب وأحد أبرز وجوه المؤسسة الحزبية، سبق أن انتمى إلى الكتلة التقدمية. ويستخدم هاردواي هذه التجربة للدلالة على مرونة الحدود داخل الحزب، إذ يستطيع جيفريز العمل مع شخصيات أكثر يسارية مثل ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، وفي الوقت نفسه التفاوض مع إدارة ترمب والجمهوريين في ملفات مشتركة.
لذلك، تبدو الانتخابات التمهيدية لعام 2026 أبعد من سلسلة منافسات لاختيار مرشحي الديمقراطيين. إنها اختبار للاتجاه الذي يتحرك نحوه الحزب بعد سنوات من الصراع بين مؤسسته التقليدية وجناحه التقدمي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *