متابعة / المدى
تتعمق الهوة بين ضفتي الأطلسي في ظل تصاعد التوترات السياسية والعسكرية بين أوروبا والولايات المتحدة، وتراجع الالتزام الأميركي تجاه أمن القارة الأوروبية، فيما تتزايد نبرة الشك والقلق في العواصم الأوروبية إزاء توجهات واشنطن الاستراتيجية. وكشف استطلاع أوروبي حديث أن 36 بالمئة من المواطنين في ست دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها تهديداً، في مقابل 12 بالمئة فقط يرونها حليفاً وثيقاً.
رصدت صحيفة «فايننشال تايمز» في تقرير بعنوان «هل تتجه أوروبا وأميركا نحو الانفصال؟» تلاشياً تدريجياً للالتزام العسكري الأميركي تجاه أوروبا، مشيرةً إلى أن الجانبين باتا «عالقين في علاقة غير سعيدة». وأفادت الصحيفة بأن إدارة ترامب تدرس قائمة عقوبات بحق الحلفاء الأوروبيين عقب انتهاء حرب إيران، تشمل طرد إسبانيا من حلف الناتو وسحب الاعتراف بالسيادة البريطانية على جزر فوكلاند. وأشار التقرير إلى أن الغضب بات متبادلاً بين الطرفين، وأن ثقة الأوروبيين بالقيادة الأميركية بلغت أدنى مستوياتها. جاءت هذه التطورات في أعقاب عام فرضت فيه الولايات المتحدة تعريفات جمركية على حلفائها الأوروبيين وهددت بضم غرينلاند، فاتحةً الباب أمام احتمال خطير يتمثل في قتال الجنود الأوروبيين ضد الأميركيين.
وقد استعاد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شعبيته السياسية بفضل إدانته الصريحة للسياسة الخارجية الأميركية، فيما بات قادة حلفاء واشنطن الأقوياء، كبولندا وألمانيا، يشككون علناً في قيادتها. في المقابل، حذّر الأمين العام لحلف الناتو مارك روته من أن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها ضد روسيا دون مساعدة أميركية، في وقت أصبح فيه الوجه الإعلامي للجهود الأوروبية الرامية إلى إرضاء ترامب.
إعادة صياغة لا انفصالاً
يرى رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق أن ما تشهده العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة «إعادة صياغة وإعادة توازن للعلاقة، إلى جانب فرض أنماط جديدة من الشراكة»، وليس انفصالاً. ويستند في ذلك إلى عمق الشراكة التاريخية بين الجانبين التي تعود جذورها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتناغم الاقتصادي الكبير والأرضية المشتركة التي تجمعهما. ويُشير يرق إلى أن بذور التباعد الراهن زُرعت في أعقاب الحرب في أوكرانيا، حيث تنظر أوروبا إلى التهديد الرئيسي باعتباره روسياً، في حين تُحدد الولايات المتحدة الصين بوصفها خطرها الأول. ويرى أن محاولات إدارة ترامب التقارب مع روسيا أثارت قلقاً أوروبياً واسعاً، إلى جانب الضغوط الناجمة عن سياسات الرسوم الجمركية، مما زاد من حدة التوتر عبر الأطلسي.
وأشار يرق إلى أن قادة أوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني، سعوا إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن في ظل استمرار الضغوط على حلف الناتو، لا سيما مع تأكيد الولايات المتحدة أنها تتحمل العبء الأكبر في تمويله وتوفير الأمن الأوروبي.
وأوضح أن هذه الضغوط دفعت أوروبا نحو مزيد من الاعتماد على الذات، تجلّى في رفع الإنفاق الدفاعي، ولا سيما في ألمانيا التي أقرّت موازنات ضخمة لدعم قطاع الدفاع. وخلص يرق إلى أن الفارق الجوهري بين الطرفين يكمن في اختلاف الرؤية الاستراتيجية؛ إذ ترى الولايات المتحدة أن الصين تمثّل التهديد الرئيسي، بينما تعدّ أوروبا أن الخطر الأكبر يأتي من روسيا، مؤكداً أن ما يحدث إعادة تشكيل للعلاقات لا انفصال، نظراً للتشابك الأمني والاقتصادي والسياسي العميق بين الجانبين.
استطلاع: واشنطن تهديد لا حليف
أجرت منظمة بوليتيكو الأوروبية استطلاعاً بعنوان «نبض أوروبا» في مارس، شمل ست دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي هي: بولندا وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وأظهر الاستطلاع أن 12 بالمئة فقط من المشاركين يرون أميركا حليفاً وثيقاً، في مقابل 36 بالمئة يعدّونها تهديداً، فيما اعتبر 29 بالمئة منهم الصين تهديداً. وعلى المستوى الوطني، تجاوز التهديد القادم من واشنطن نظيره القادم من بكين في أربع دول من الست، إذ رأى المشاركون في فرنسا وبولندا فقط أن التهديد الصيني أعلى. وكشف الاستطلاع عن تناقض في صميم سياسات الأمن الأوروبي؛ فبينما يريد الناخبون لأوروبا أن تكون أكثر تسليحاً واكتفاءً ذاتياً في ظل تراجع الثقة بالولايات المتحدة، تتضاءل رغبتهم في ذلك حين يتعلق الأمر بتضحيات شخصية أو موازنات أكبر أو دعم مفتوح لأوكرانيا. وكان ترامب قد شكّك منذ عودته إلى السلطة في يناير 2025 في التزام واشنطن تجاه حلف الناتو، وهدّد بضم غرينلاند وكندا، وفرض تعريفات جمركية على الحلفاء، وخاض حرباً مع إيران رفضت الدول الأوروبية الانضمام إليها.
الترابط أقوى من الخلاف
يؤكد خبير الشؤون الأوروبية محمد رجائي بركات أن مفهوم «المعسكر الغربي» لم يعد كما كان في السابق، حين كان يُنظر إليه ككتلة متماسكة تضم الولايات المتحدة وأوروبا، وأن الحرب في أوكرانيا والخلافات حول أوضاع الشرق الأوسط، فضلاً عن عودة ترامب وانتقاداته الحادة للسياسات الأوروبية، عمّقت التباينات بين ضفتي الأطلسي، واتسعت معها الفجوة بين حلف الناتو والدول الأوروبية من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. غير أن بركات يشدد على أن الولايات المتحدة لا تملك مصلحة في إنهاء دور حلف الناتو، ليس بوصفه تحالفاً عسكرياً فحسب، بل أداةً سياسية تعزز نفوذها في أوروبا. ويُشير إلى أن أوروبا، رغم سعيها لتحقيق «استقلالية دفاعية»، لا تزال تجد صعوبة في الانفصال عن المظلة الأمنية الأميركية، مستدلاً بأن ألمانيا رغم تخصيصها نحو 100 مليار يورو لتعزيز قدراتها العسكرية اتجهت لشراء مقاتلات F-35 Lightning II الأميركية بدلاً من الاستثمار في مشاريع دفاعية أوروبية مشتركة، وهو ما يعكس عمق الترابط العسكري بين الجانبين.
ويتناول بركات البعد السياسي للخلاف، معتبراً أن بعض السياسات الأميركية الأخيرة تُفسَّر أوروبياً كمحاولة للتأثير في الداخل الأوروبي، بما في ذلك دعم تيارات اليمين، كما حدث في المجر مع رئيس الوزراء فيكتور أوربان. ويخلص إلى أن الحديث عن «انفصال كامل» لا يزال غير واقعي في المرحلة الراهنة، في ظل استمرار الترابط العسكري والاقتصادي العميق بين الطرفين رغم تصاعد الخلافات السياسية.