من صلح الحسن الى ثورة الحسين (3) مبايعة الحسن.. هل أصبح خليفة على جميع المسلمين؟ – وكالة اخبار المستقبل


بقلم المهندس رسول العذاري

عندما استشهد علي بن أبي طالب سنة 40 للهجرة، دخل العالم الإسلامي مرحلة جديدة من تاريخه.

فقد كان علي آخر الخلفاء الذين وصلوا إلى الحكم عبر المسار الذي بدأ بعد وفاة النبي محمد ﷺ، كما أن سنوات حكمه كانت من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الإسلامي بسبب الحروب والانقسامات التي شهدتها الدولة.وبعد استشهاده اجتمع أهل الكوفة وبايعوا ابنه الحسن بن علي خليفة للمسلمين، بوصفه ابن الخليفة الراحل وأحد أبرز الشخصيات الإسلامية مكانة ونسباً وعلماً، فضلاً عن كونه سبط رسول الله ﷺ وريحانته كما وصفه النبي في عدد من الروايات المشهورة.لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو:هل أصبح الحسن خليفة على جميع المسلمين؟من الناحية النظرية، كانت المناطق الخاضعة لسلطة علي قبل استشهاده تعترف بخلافة الحسن بعد مبايعته في الكوفة. أما الشام فكانت منذ سنوات تحت سيطرة معاوية بن أبي سفيان الذي لم يعترف بخلافة علي في الأصل، وبالتالي لم يكن من المتوقع أن يعترف بخلافة الحسن.

وبذلك وجد العالم الإسلامي نفسه مرة أخرى أمام مركزين للسلطة:الأول في العراق بقيادة الحسن بن علي.والثاني في الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان.ولذلك فإن القول بأن الحسن أصبح خليفة على جميع المسلمين لا ينسجم تماماً مع الواقع السياسي القائم آنذاك، كما أن القول بأنه لم يصبح خليفة إطلاقاً يتجاهل حقيقة مبايعته من قبل الأقاليم التي كانت تدين بالولاء لعلي.والأقرب إلى الوصف التاريخي أنه أصبح خليفة على القسم الأكبر من الدولة التي كانت خاضعة لسلطة أبيه، بينما بقيت الشام خارج هذه الطاعة.لكن لفهم ما سيحدث لاحقاً، لا يكفي النظر إلى الخريطة السياسية وحدها، بل ينبغي النظر أيضاً إلى الحالة التي كان عليها المجتمع العراقي نفسه.

فالحسن لم يرث دولة مستقرة ومتجانسة، وإنما ورث تركة ثقيلة خلفتها سنوات طويلة من الصراعات.فالعراق خرج من معركة الجمل ثم من معركة صفين ثم من حرب الخوارج في النهروان. وخلال هذه السنوات استنزفت الطاقات البشرية والاقتصادية والنفسية بصورة كبيرة.والأهم من ذلك أن تلك الحروب كشفت وجود انقسامات عميقة داخل المعسكر الذي كان يقوده علي نفسه.وتظهر معركة صفين مثالاً واضحاً على ذلك.فكثير من المصادر التاريخية تشير إلى أن الكفة العسكرية كانت تميل في أواخر المعركة لصالح جيش علي، وأن قواته كانت تحقق تقدماً ملحوظاً على جيش معاوية.

لكن حادثة رفع المصاحف وما تبعها من قضية التحكيم أظهرت مشكلة أكثر خطورة من المعركة نفسها، وهي عدم انسجام الجيش العراقي خلف قيادته.فقد رأى علي أن التوقف عن القتال في تلك اللحظة خطأ جسيم، بينما أصر قسم من جيشه على قبول التحكيم ورفض مواصلة القتال. بل إن بعض الذين فرضوا التحكيم عليه عادوا لاحقاً ليشكلوا نواة حركة الخوارج التي اتهمته بقبول ما كانوا هم أنفسهم قد أجبروه عليه.ومن هنا يمكن فهم المقولة المشهورة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب:”والله ما معاوية بأدهى مني،

ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس.”وسواء اختلف الباحثون في بعض ألفاظ الرواية أو اتفقوا عليها، فإنها تعبر عن حقيقة مهمة في فهم الصراع. فالمشكلة لم تكن في الشجاعة أو الذكاء وحدهما، بل في طبيعة الأدوات السياسية التي كان كل طرف مستعداً لاستخدامها، وفي درجة الانضباط والطاعة داخل كل معسكر.لقد خرجت الشام من صفين أكثر تماسكاً خلف معاوية، بينما خرج العراق أكثر انقساماً مما كان عليه قبلها.ولهذا عندما بويع الحسن بالخلافة لم يكن يواجه معاوية فقط، بل كان يواجه أيضاً الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الفتنة والحروب والانقسامات.

فمن جهة كان أمامه خصم يمتلك إقليماً مستقراً وجيشاً منضبطاً وخبرة سياسية طويلة، ومن جهة أخرى كان يعتمد على مجتمع أنهكته الحروب وأصبح كثير من أبنائه يتطلعون إلى السلام أكثر من تطلعهم إلى جولة جديدة من القتال.

ومن هنا تبدأ العقدة الأساسية التي ستحدد مصير خلافة الحسن كلها.فالسؤال لم يعد من هو الأحق بالحكم فحسب، بل أصبح:هل يمتلك الحسن القوة السياسية والعسكرية الكافية لفرض هذه الأحقية على أرض الواقع؟وهذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى الفصل القادم، عندما يبدأ الجيشان بالتحرك نحو مواجهة جديدة قد تحسم مصير الدولة الإسلامية كلها.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *