متابعة / المدى
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع استمرار الضربات الأميركية على مواقع عسكرية إيرانية واتساع نطاق الردود الإيرانية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، رغم استمرار الحديث عن فرص للتفاوض في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة.
وكثفت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد ما تصفه بـ«الحزام العسكري الإيراني» المطل على مضيق هرمز وخليج عُمان، في الليلة العاشرة من الغارات المتواصلة، ضمن حملة تقول إنها تستهدف حماية الملاحة الدولية وإضعاف قدرة طهران على تهديد السفن التجارية في أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن أحدث جولات القصف استمرت نحو خمس ساعات، واستهدفت مراكز قيادة عسكرية، وقدرات بحرية، ومنصات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي. وأكدت أن العمليات تهدف إلى «تقويض قدرة إيران على مواصلة مهاجمة السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز»، مشيرة إلى أن القوات الأميركية ما زالت في حالة تأهب لمواجهة ما وصفته بـ«العدوان غير المبرر» على الملاحة المدنية. وتزامنت الضربات مع تقارير عن انفجارات في محافظات هرمزغان وفارس وكرمان وبلوشستان وإيلام، إلى جانب أنباء عن دوي انفجارات قرب بندر عباس وسيريك وتشابهار وكنارك ومحيط شيراز، فيما تحدثت وكالة «مهر» عن انفجارين في محافظة إصفهان قبل أن ينفي حاكم المحافظة وقوع هجمات مؤكداً أن السلطات تتحرى مصدر الأصوات. ولم تعلن السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للخسائر أو طبيعة المواقع المستهدفة. وتشير خريطة الضربات إلى تركيز أميركي واضح على المحافظات الجنوبية والجنوبية الشرقية المطلة على مضيق هرمز وساحل خليج عُمان، بعد أن كانت العمليات السابقة قد امتدت إلى مناطق أخرى بينها الأحواز وتبريز، في إطار استراتيجية تستهدف البنية العسكرية المرتبطة بقدرات إيران البحرية والصاروخية. ورغم استمرار القصف الأميركي، لم تتوقف الهجمات على حركة الملاحة في المضيق، إذ تعرضت ناقلة لهجوم قبالة السواحل العمانية، ما اضطر طاقمها إلى مغادرتها، بينما أعلن «الحرس الثوري» مسؤوليته عن مهاجمة سفن في الممر البحري.
وأظهرت بيانات ملاحية تراجع حركة السفن في مضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة، حيث عبرت ثلاث سفن فقط الأحد وأربع سفن مخصصة لنقل السلع الأساسية الاثنين، فيما لم تسجل أي حركة لناقلات النفط العملاقة أو ناقلات الغاز الطبيعي المسال، في مؤشر على استمرار عزوف شركات الشحن عن استخدام الممر الذي كان يعبره قبل الأزمة نحو خمس تجارة النفط الخام والغاز الطبيعي في العالم.
وفي المقابل، أعلنت إيران تنفيذ سلسلة هجمات على مواقع وقواعد أميركية في الكويت والبحرين والأردن، وقال الجيش الإيراني إنه استهدف منظومات «هيمارس» في قاعدة عريفجان جنوب الكويت، كما أعلن مهاجمة قواعد ومنشآت عسكرية أميركية أخرى بطائرات مسيّرة، بينها قاعدة أحمد الجابر الجوية ومرافق عسكرية ومنظومات دفاعية.
وفي البحرين، أعلن «الحرس الثوري» استهداف منظومات دفاع جوي ورادارات في المحرق والرفاع، مهدداً بموجات جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، فيما أطلقت البحرين صفارات الإنذار بالتزامن مع الهجوم المعلن. كما ادعى «الحرس الثوري» استهداف بنية تحتية تابعة لشركة «أمازون»، من دون تأكيد رسمي من السلطات البحرينية. أما في الأردن، فأعلن الجيش اعتراض خمس طائرات مسيّرة انطلقت من إيران، بعد ساعات من اعتراض ثلاثة صواريخ، فيما قال «الحرس الثوري» إنه استهدف موقعاً تتمركز فيه قوات أميركية في منطقة الركبان، وهو ما لم تؤكده عمّان أو واشنطن. وفي الولايات المتحدة، كشف المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية شون بارنيل إصابة نحو 100 عسكري أميركي منذ استئناف العمليات العسكرية في السابع من يوليو، موضحاً أن 96 في المائة منهم عادوا إلى الخدمة، وأن معظم الإصابات اقتصرت على ارتجاجات طفيفة. كما أعلن الجيش الأميركي ارتفاع عدد قتلاه منذ اندلاع المواجهة إلى 17 عسكرياً، بينما توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب برد «أضعافاً مضاعفة» على أي هجمات تستهدف القوات الأميركية.
سياسياً، يرى مراقبون أن التصعيد العسكري لا يلغي استمرار الاتصالات السياسية، بل يعكس انتقال الطرفين إلى ما بات يوصف بـ«التفاوض تحت النار». ففي نقاش استضافته غرفة أخبار «سكاي نيوز عربية»، تباينت آراء خبراء وسياسيين بشأن مستقبل الأزمة، بين من يرى أن الطرفين يستخدمان القوة لتحسين شروط التفاوض، ومن يعتقد أن المنطقة تقترب من مواجهة شاملة.
وقال رئيس مشروع المواطنة العراقية غيث التميمي إن إدارة الرئيس الأميركي تعتمد استراتيجية التفاوض من موقع القوة، معتبراً أن الضغوط العسكرية والاقتصادية تهدف إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات بعد اتساع نفوذها الإقليمي.