د.احمد الاعرجي
يشهد العالم اليوم حالةً غير مسبوقة من التوتر السياسي والعسكري حيث تتقاطع الأزمات الدولية مع الانقسامات الداخلية للدول الكبرى لتصنع مشهداً يبدو أقرب إلى مرحلة ما قبل الانفجار العالمي .
وفي قلب هذا المشهد تقف إيران بوصفها لاعباً إقليمياً ودولياً لم يعد من الممكن تجاهله خصوصاً مع امتلاكها أوراق ضغط شديدة الحساسية تبدأ من البرنامج النووي ولا تنتهي عند مضيق هرمز الشريان الذي تمر عبره نسبة هائلة من تجارة النفط العالمية .
إيران لا تواجه الولايات المتحدة وأوروبا بالمعنى العسكري التقليدي فقط بل تعتمد على استراتيجية “الاستنزاف طويل النفس” القائمة على توسيع النفوذ الإقليمي وتحريك الحلفاء وخلق توازن ردع يجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة للجميع .
ولهذا أصبح الحديث عن إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة العالمية بمثابة رسالة استراتيجية للعالم بأسره مفادها أن أي حرب ضد طهران لن تبقى داخل حدودها .
في المقابل تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعيش حالة من الارتباك السياسي الداخلي .
فخطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتناقضة بين التصعيد تارة والدعوة إلى التفاوض تارة أخرى تعكس حجم الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية نفسها .
كما أن التخبط في مواقف بعض المسؤولين واختلاف الخطاب بين البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس يكشف عن غياب رؤية موحدة تجاه ملفات الشرق الأوسط والصراع مع القوى الصاعدة .
الأخطر من ذلك أن الداخل الأمريكي يشهد انقسامات حادة سياسياً وشعبياً بين تيارات ترى ضرورة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية بالقوة وأخرى تعتبر أن الحروب الخارجية استنزفت الاقتصاد الأمريكي وأضعفت صورة واشنطن عالمياً .
وهذا الانقسام يمنح خصوم أمريكا مساحة أوسع للمناورة ويعزز الاعتقاد بأن الإمبراطورية الأمريكية لم تعد بالقوة ذاتها التي كانت عليها بعد الحرب الباردة .
أما المنطقة فتبدو وكأنها “تطبخ على نار هادئة”
فالتصعيد الحالي لا يشبه الحروب التقليدية السابقة بل يأخذ شكل حروب اقتصادية وهجمات سيبرانية وصراعات استخباراتية وتحركات عسكرية محسوبة بدقة .
إنها مرحلة “استراحة مقاتل” قد تسبق ضربة كبرى تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم .
السؤال الحقيقي اليوم ليس هل ستقع الحرب؟
بل: كيف ستكون طبيعة الحرب القادمة؟
فالعالم يتجه تدريجياً نحو صراع غير تقليدي متعدد الأدوات قد لا يبدأ بإعلان رسمي لكنه قادر على إحداث انهيارات اقتصادية وسياسية عالمية .
وإذا استمرت القوى الكبرى في سياسة حافة الهاوية فإن البشرية قد تجد نفسها أمام نسخة جديدة من حرب عالمية ثالثة تختلف في أدواتها لكنها قد تكون أشد خطورة وتأثيراً من كل ما سبقها .