بقلم: خضير الكرعاوي
لم يعد حديث الشارع العراقي اليوم ترفاً سياسياً ولا سجالاً حزبياً في أروقة المقرات، بل بات صرخة حقيقية تنطلق من مائدة الفقير التي أُفرغت من أبسط مقوماتها. أن يصل الحال بأسواقنا إلى تسعير البيضة الواحدة بـ 500 دينار، والـ 3 بألف دينار، فهذه ليست مجرد معادلة بيع عابرة، بل جرس إنذار فاضح يكشف عمق الأزمة؛ هل يُراد للعراق أن يعود إلى ما قبل 2003؟ هل كُتب على هذا الشعب أن يواجه قحطاً جديداً، وفقراً مُعاداً، يعجز فيه المواطن عن شراء كسوة لأطفاله، أو يرى في كيلو اللحم حلماً بعيد المنال؟ إلى متى تبقى هذه المعالجات الترقيعية التي لا تُجدي نفعاً، ولا تُسمن ولا تُغني من جوع؟
قبل يومين، عشنا فصلاً جديداً من فصول القفزات غير المبررة لسعر صرف الدولار؛ فبينما يصرّح البنك المركزي العراقي بأنه يبيع العملة للمصارف بحدود 152 ألف دينار لكل 100 دولار (بما يعادل قرابة 1520 ديناراً للدولار)، تجد المصارف والبورصات في بغداد وباقي المحافظات تطرحه في الأسواق بأسعار تلامس الـ 180 والـ 190 ألف دينار. فجوة شاسعة تبتلعها مافيات المضاربة وجيوب المنتفعين، بينما أضحى الدولار شبحاً يطارد العراقيين في تفاصيل حياتهم اليومية، وتُلقى فاتورة هذا التخبط كاملة على كاهل الكاسب والموظف مع كل مسواك.
حين تصدى السيد علي الزيدي لملفات الفساد، واستبشرنا خيراً بتلك الحملات التي وعدت باسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة السراق وإعادة الحقوق إلى أهلها، قيل حينها إن كل مواطن سينال استحقاقه من السكن وقطع الأراضي والعيش الكريم. لكن أين ذهبت تلك الوعود اليوم؟ ولماذا تحولت كلها إلى مجرد “هواء في شبك”؟
العراق اليوم يُستنزف مالياً واقتصادياً؛ رواتب الموظفين باقية على حالها لا تتحرك، ومدخولات الكسبة تتآكل، في المقابل تشتعل الأسواق بجنون غير طبيعي، لتتحول حتى الأساسيات إلى كابوس يومي يضغط على أرباب العوائل.
وهنا نضع السؤال المباشر أمام السيد رئيس مجلس الوزراء: لماذا لم تفِ بالوعود؟ لقد نظر إليك العراقيون كرئيس وزراء جديد، شاب، يمتلك طاقة التغيير والجرأة في اتخاذ القرار، والجميع يترقب خطواتك بانتظار الخروج من هذا النفق. تذكر أنه في زمن حيدر العبادي، كان البلد يخوض حرباً شرسة ضد تنظيم داعش، وكانت أسعار النفط منهارة، والوضع العام متأزماً وغير مستقر، ومع كل ذلك التعقيد والضائقة، كان سعر صرف الدولار ثابتاً ومسيطراً عليه تقريبا 120 ألف دينار لكل 100 دولار. فكيف باليوم والنفط يُباع بأسعار مرتفعة، والبلد تخلص من داعش وينعم بالاستقرار الأمني، ليتحول الدولار فجأة إلى شبح يخنق رقاب المواطنين؟
العراق لا يُبنى بالشعارات ولا بالبيانات الإنشائية؛ العراق يحتاج إلى وقفة وطنية حازمة وقرارات جريئة تضع حداً لجشع المضاربين وتضبط فوضى الأسواق. إن بناء دولة وجيل متحضر لا يتحقق بينما تقضي العوائل يومها في حيرة تأمين لقمة العيش، بل يبدأ من صون كرامة المواطن وحماية لقمة أطفاله من العبث والضياع