استمرار القتال في لبنان يضع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أمام اختبار حقيقي


ترجمة المدى

أدت موجة من الغارات الإسرائيلية، التي أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص في جنوب لبنان هذا الأسبوع، إلى كشف اتساع الانقسام داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، حيث يطالب المتشددون طهران بالرد على ما يصفونه بأنه انتهاك صارخ لمذكرة التفاهم المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران.
وكان قد أُعلن عن الاتفاق المؤقت في 15 يونيو/حزيران، بعد توقيعه إلكترونياً عقب محادثات جرت بوساطة باكستان. وفي 17 يونيو/حزيران، وقع الاتفاق عن بُعد كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.
وينص البند الأول من الاتفاق على وقف القتال “في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”. إلا أن الغارات الجوية الإسرائيلية أسفرت، وفقاً للسلطات الصحية اللبنانية، عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصاً، بينهم جندي لبناني، بينما أعلنت جماعة حزب الله أن مقاتليها قتلوا أربعة جنود إسرائيليين خلال اشتباكات قرب تلة علي الطاهر، كما زعمت تدمير ثلاث دبابات إسرائيلية.
ويُعد حزب الله، المدعوم من إيران، جماعة مسلحة وحزباً سياسياً يسيطر على أجزاء واسعة من جنوب لبنان. وتصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية، بينما يدرج الاتحاد الأوروبي جناحه العسكري على قائمة الإرهاب، دون جناحه السياسي.
وردت إسرائيل بشن غارات على منطقة البقاع، في حين أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير أن “لبنان كله يجب أن يحترق”.
وأدى التصعيد إلى تأجيل اجتماع رفيع المستوى بين إيران والولايات المتحدة، كان مقرراً عقده في سويسرا في 19 يونيو/حزيران لبدء محادثات بشأن اتفاق دائم، كما دفعت التطورات فرنسا إلى دعوة واشنطن علناً إلى “ممارسة كل الضغوط اللازمة” على إسرائيل لاحترام الاتفاق.
وكان المتشددون في إيران قد انتقدوا الاتفاق منذ الإعلان عنه وطالبوا بشروط أكثر صرامة، وهم يرون الآن أن التطورات في لبنان تمنحهم ورقة ضغط كافية لإجبار الحكومة على اتخاذ موقف أكثر تشدداً.
وحذر النائب المحافظ محمود نبويان من أن التغاضي عن هذا الانتهاك سيقضي على فرص نجاح بقية الاتفاق.
وكتب على منصة “إكس”: “إذا تراجعتم عن بند لبنان وتجاهلتم هذا الانتهاك الصارخ، ورأى العدو ضعفكم، فإن تنفيذ البنود الأخرى، مثل رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وغيرها، سيصبح بالتأكيد مستحيلاً.”
وأعرب النائب الآخر، ميثم ظهوريان، عن موقف مشابه، رابطاً بين الملف اللبناني وأهم ورقة ضغط تمتلكها إيران، وهي مضيق هرمز.
وكتب يقول: “أي فتح للمضيق قبل تثبيت وقف إطلاق نار كامل في لبنان وانسحاب إسرائيل، يعني أن إيران وافقت على تنفيذ مذكرة التفاهم قبل أوانها.”
وبموجب الاتفاق، سمحت إيران بمرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز من دون فرض رسوم، في حين رفعت الولايات المتحدة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وجاءت إحدى أشد الانتقادات من المعلق السياسي نظام الدين موسوي، الذي استند صراحة إلى تحفظات المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بشأن الاتفاق للضغط على فريق التفاوض الإيراني.
وكان خامنئي قد صرح في 18 يونيو/حزيران بأنه سمح لحكومة بزشكيان بتوقيع مذكرة التفاهم رغم أنه يحمل “رأياً مختلفاً”، مضيفاً أن بزشكيان “تحمل المسؤولية صراحة” عن نتائج الاتفاق.
واستغل موسوي هذا التصريح قائلاً: “الآن أصبح أول بند في الاتفاق، وهو (إنهاء الحرب في لبنان)، أول اختبار لالتزامكم. لقد جرى انتهاك هذا البند رسمياً. فما هي خطتكم؟”
ويشكل هذا تحدياً مباشراً لحكومة بزشكيان، التي بنت جزءاً كبيراً من مصداقيتها على اتفاق لم يكن خامنئي متحمساً له منذ البداية، وهي الآن مطالبة بالإجابة عن أول إخفاق يواجه الاتفاق وفق المعايير التي وضعها المرشد نفسه.
ولا تقتصر الانتقادات على التيار المتشدد المرتبط عادة بجبهة “بايداري”، التي نظمت مظاهرات ضد مذكرة التفاهم منذ الإعلان عنها.
فقد قدم رجل الدين جليل محبي، المقرب من كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، تقييماً حاداً للأوضاع، وكتب في منشور مقتضب على منصة “إكس” قائلاً: “الهجمات الإسرائيلية المتجددة على لبنان لن تُبقي أي اتفاق قائماً.”
وفي المقابل، أفاد موقع “أكسيوس” في 20 يونيو/حزيران بأن المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف يتوجه إلى سويسرا للقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ما يشير إلى احتمال استئناف المحادثات المؤجلة، وإن كان على مستوى أدنى مما كان مخططاً له في البداية.
ومع ذلك، فإن الاجتماع المرتقب يواجه معارضة أيضاً. فقد أكدت وكالة “تسنيم” الإخبارية، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، أنه “لا يوجد أي مبرر” لعقد لقاء مع ويتكوف في ظل ما يجري في لبنان، ودعت السلطات الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى.
وجاء في تقرير الوكالة: “لا ينبغي للمفاوضين أن يكتفوا بتعليق جميع المحادثات، بل يجب عليهم أيضاً إغلاق مضيق هرمز بالكامل قبل فوات الأوان. فطالما أن العدو لم يلتزم بتعهداته، فإن تخفيف الضغط عنه عبر إبقاء المضيق مفتوحاً سيكون خطأً استراتيجياً لا يمكن إصلاحه.”
وفي اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن الولايات المتحدة يجب أن تلتزم بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، وأن أي خرق لذلك سيكون من مسؤولية واشنطن.

تحذيرات أميركية
وحذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، طهران، خلال مراسم الكشف عن الطائرة الرئاسية الجديدة أير فورس وان التي أُقيمت في قاعدة أندروز الجوية بالقرب من واشنطن، من أن الوقت ينفد للتوصل إلى اتفاق.
وقال ترامب: “إذا لم تُبرم إيران اتفاقاً خلال 60 يوماً، فسوف نفعل شيئاً لن يعجبها.”
وأضاف ترامب أن اتفاقاً جرى التوصل إليه في وقت سابق من هذا الأسبوع يمنح إيران مهلة 60 يوماً لاستكمال اتفاق أوسع مع الولايات المتحدة.
وقال: “إذا لم يفعلوا ذلك، فسنتخذ إجراءات لن تعجبهم. لكنني لا أعتقد أننا سنصل إلى ذلك. أعتقد أن كل شيء سينتهي بشكل جيد للغاية.”

كما حذر ترامب من أن أي تصعيد عسكري قد يهدد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وقال: “إذا اضطررنا إلى التحرك، فلن يتدفق النفط عبر المضيق بهذه السهولة. الأشخاص الذين يمتلكون سفناً تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لا يحبون رؤية الصواريخ تحلق فوق رؤوسهم أو الألغام المنتشرة في المياه.”
عن صحف ووكالات عالمية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *