بقلم /المهندس رسول العذاري
ان من يقرأ خطبة السيدة زينب في مجلس يزيد بن معاوية قراءة متأنية، يلاحظ شخصية تختلف كثيرا عن الصورة التي تختزل أحيانا في بعض المجالس والخطاب الوعظي، حيث يغلب التركيز على البكاء والمصاب. فالبكاء كان جزءا من إنسانيتها، لكنه لم يكن كل شخصيتها. وفي مجلس يزيد ظهرت زينب بوصفها ابنة علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء؛ امرأة مؤمنة، صلبة، ثابتة، وقائدة في أحلك الظروف.
ومن أبرز المقاطع التي تجسد هذه القوة:
«فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا…»
هذه الكلمات ليست كلمات امرأة مهزومة، بل إعلان انتصار أخلاقي وتاريخي. فهي تخاطب الخليفة المنتصر عسكريا بثقة مطلقة بأن الزمن سيكون في صالح الرسالة لا في صالح السيف.
ومن أبلغ ما قالت أيضا:
«أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟»
في هذا المقطع لم تستجد عطفا، وإنما حاكمت السلطة بمنطق العدالة، وذكرت يزيد بأصله التاريخي بقولها: «يا ابن الطلقاء»، وهو تعبير يحمل دلالة سياسية وتاريخية قوية.
وقالت أيضا:
«مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا.»
وهو من أشهر أقوالها عندما سألها ابن زياد عن صنيع الله بأهل بيتها. لم تنكر المصيبة، لكنها رأت أن الشهادة في سبيل المبدأ جمال في ميزان الإيمان، لا هزيمة.
ومن خطبتها كذلك:
«أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ… أَنَّ بِنَا عَلَى اللَّهِ هَوَانًا، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً؟»
وهنا تحطم منطق القوة المادية، وتؤكد أن النصر الظاهري لا يعني رضا الله، وأن الهزيمة العسكرية لا تعني سقوط الحق..