سبتة تحت ضغط الهجرة الجماعية.. 61 قتيلا وعشرات الآلاف يعبرون من المغرب


 متابعة / المدى

ارتفعت حصيلة ضحايا موجة العبور الجماعي من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية إلى 61 قتيلا، في وقت تواصل فيه السلطات الإسبانية عمليات البحث على الشريط الساحلي وإعادة عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المغرب، عقب واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي شهدها الجيب الحدودي خلال السنوات الأخيرة. وأفادت إذاعة «كادينا سير» بأن قوات الأمن الإسبانية واصلت العثور على جثث في شاطئ تاراخال المحاذي للحدود المغربية، مرجحة ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.
وخلال أقل من 24 ساعة، تحولت شواطئ سبتة وحدودها البرية إلى مسرح لعبور جماعي شارك فيه عشرات الآلاف، إذ حاول بعضهم الوصول سباحة مستعينين بأطواق النجاة، فيما عبر آخرون المناطق الساحلية والحدود البرية وسط انهيار إجراءات الرقابة وازدحام شديد على المعابر. وقال رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، إن نحو 60 ألف شخص دخلوا المدينة قادمين من المغرب خلال 24 ساعة، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدها الجيب الإسباني. غير أن وزارة الداخلية الإسبانية قدرت عدد الوافدين بنحو 50 ألف شخص منذ الساعات الأولى من صباح الخميس.
وأظهرت صور ومقاطع مصورة آلاف الأشخاص وهم يسبحون باتجاه المدينة أو يتسلقون الصخور القريبة من الساحل، فيما استمرت محاولات العبور طوال الليل. وكان معظم الوافدين من الشبان والرجال، مع وجود نساء وأطفال وقاصرين بين الحشود.
وتشير تقديرات مسؤولين إسبان إلى أن ما لا يقل عن سبعة آلاف من الذين دخلوا سبتة خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى هم من القاصرين، الأمر الذي أضاف تعقيدات قانونية وإنسانية إلى إجراءات الفرز والإعادة.
وتجاوز عدد الوافدين، وفق تقديرات السلطات المحلية، نصف عدد سكان المدينة، الذي قدر في إحدى الإحصاءات الواردة بنحو 83 ألفا و600 نسمة، في حين ورد تقدير آخر يفيد بأن عدد سكانها يقارب 77 ألف نسمة.
وبالتوازي مع عمليات الإنقاذ والبحث عن المفقودين، شرعت السلطات الإسبانية في إعادة أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المغرب. ونقلت قناة «RTVE» عن وزارة الداخلية الإسبانية أن أكثر من 48 ألفا و300 مهاجر أعيدوا إلى الجانب المغربي، فيما سبق للوزارة أن أعلنت أن عدد المغادرين تجاوز 48 ألف شخص حتى الساعة السادسة مساء. وقالت الوزارة إن معدل المغادرين بلغ 150 شخصا في الدقيقة، من دون أن تقدم تفاصيل إضافية بشأن الفترة الزمنية التي احتسب على أساسها هذا المعدل.
من جهته، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ما جرى بأنه «هجوم» و«انتهاك لسيادة إسبانيا»، متهما شبكات إجرامية وعصابات تهريب البشر باستغلال تطورات قانونية حديثة ونشر معلومات مضللة دفعت آلاف الأشخاص إلى محاولة العبور.
وقال سانشيز، خلال زيارة إلى سبتة، إن الحكومة تعمل على إعادة جميع الذين دخلوا بصورة غير قانونية إلى المغرب «في أسرع وقت ممكن»، مؤكدا أن السلطات المغربية «تتعاون في خطط إعادة الذين دخلوا بشكل غير قانوني».
وأضاف أن معلومات غير صحيحة «انتشرت كالنار في الهشيم خلال الساعات الأخيرة»، مشيرا إلى أن الحكومة ستبحث تعزيز الحدود مع المغرب، فيما أعلنت وزارة الداخلية أن القوات المسلحة ستساند الحرس المدني في ممارسة صلاحياته وأي مهام أخرى ضرورية للحفاظ على الأمن في المدينة.
كما اتهمت وزارة الداخلية الإسبانية شبكات الاتجار بالبشر باستغلال حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية خلال تموز، يتعلق بطريقة التعامل مع المهاجرين الذين يعترضون في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية.
وبحسب ما ورد في النص، قضت المحكمة بعدم جواز إعادة المهاجرين الموقوفين في البحر إلى المغرب بصورة فورية، من دون أن يعني ذلك منع إعادتهم بصورة مطلقة. إلا أن تفسيرات مبسطة للحكم انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، وروجت، وفق الرواية الإسبانية، لفكرة أن الوصول سباحة إلى الأراضي الإسبانية يتيح فرصة أكبر للبقاء.
وقال الدبلوماسي السابق وأستاذ القانون الدولي تاج الدين الحسيني إن هذه القراءة المجتزأة للحكم شجعت كثيرين على خوض رحلة العبور، رغم أن الواقع القانوني أكثر تعقيدا.
ويربط تفسير آخر موجة التدفق بعوامل أمنية داخل المغرب، إذ تزامنت عمليات العبور مع احتفالات عيد العرش. ويرى الحسيني أن نقل أعداد من عناصر الأمن والقوات المساعدة للمشاركة في تأمين الاحتفالات قد يكون خلق فراغا مؤقتا استغلته مجموعات كانت تنتظر فرصة للعبور.
وأشار إلى أن الذين حاولوا الوصول إلى سبتة لا ينحدرون من المغرب وحده، بل تضم الحشود أشخاصا من جنسيات مختلفة كانوا يترقبون أي فرصة للوصول إلى الأراضي الأوروبية.
لكن الأزمة لم تبق عند حدود التفسير الأمني أو القانوني، إذ برزت داخل إسبانيا تساؤلات بشأن احتمال ارتباطها بالعلاقات السياسية مع المغرب. وقال الكاتب والإعلامي زياد حيدر إن قطاعا من الرأي العام الإسباني ينظر إلى موجات العبور الجماعية بوصفها وسيلة ضغط قد تستخدمها السلطات المغربية عند بروز خلافات بين البلدين، وهو تفسير يتبناه جزء من اليمين الإسباني الذي يتهم الحكومة بالتساهل في حماية الحدود.
في المقابل، استبعد الحسيني أن يكون المغرب أو إسبانيا معنيين في الوقت الراهن بتصعيد سياسي مماثل لأزمة عام 2021، مشيرا إلى أن العلاقات الثنائية شهدت توسعا في مجالات الأمن والاستثمار والهجرة، بعد دعم مدريد مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لحل قضية الصحراء الغربية.
وعلى الأرض، تحولت موجة العبور إلى أزمة إنسانية وأمنية متشابكة. وأفادت السلطات المحلية بوقوع اشتباكات بين الشرطة والمهاجرين، فيما أظهرت صور ومقاطع متداولة إلقاء الحجارة عبر المعابر الحدودية، وآلاف الشبان وهم ينامون في الشوارع.
كما بلغت مراكز استقبال المهاجرين طاقتها القصوى، بحسب سلطات سبتة، التي اتهمت الحكومة المركزية في مدريد بالبطء في الاستجابة للأزمة.
وعلى الشواطئ الإسبانية، تراكمت أطواق النجاة وزعانف السباحة، فيما احتفل بعض الوافدين بنجاحهم في الوصول، بينما غرق آخرون أثناء محاولاتهم عبور البحر.
ونقلت وكالة «رويترز» عن أحد المهاجرين، أثناء عودته إلى المغرب، قوله: «الأمر ليس جيدا على الإطلاق، وليس ممتعا أيضا. أعني أن الناس يموتون هنا. أرجوكم، إذا لم تأتوا بعد، فلا تأتوا. لا تفعلوا ذلك».
وتكشف شهادات أخرى أن دوافع العبور تتراوح بين البحث عن فرص العمل والرغبة في الوصول إلى أوروبا وطلب اللجوء والبحث عن أقارب مفقودين.
وقال أحد المهاجرين إنه جاء من أجل «اكتشاف أوروبا»، مشيرا إلى محدودية فرص العمل في المغرب، فيما تحدثت امرأة عن وصولها للبحث عن ابن شقيقها الذي فقد أثره بعد عبوره إلى سبتة، من دون أن تعرف ما إذا كان ما يزال على قيد الحياة.
وتضم موجة العبور، إلى جانب الباحثين عن فرص اقتصادية، مهاجرين من جنسيات مختلفة، وقاصرين، وأشخاصا محتملين لطلب اللجوء، وهي فئات تخضع لأطر قانونية متباينة، ما يجعل إجراءات إعادتهم أكثر تعقيدا.
وأشار الحسيني إلى أن اتفاقية إعادة المهاجرين الموقعة بين المغرب وإسبانيا عام 1992 تسهل إعادة المواطنين المغاربة، لكنها لا توفر الحل نفسه للمهاجرين من جنسيات أخرى، إذ يتطلب الأمر تحديد بلدانهم الأصلية والتنسيق معها.
كما يتمتع القاصرون وطالبو اللجوء بحماية قانونية إضافية بموجب التشريعات الإسبانية والأوروبية، ما يحد من إمكانية إعادتهم بصورة فورية، حتى مع وجود توافق سياسي بين الرباط ومدريد على تسريع الإجراءات.
وفي مدينة الفنيدق المغربية، القريبة من حدود سبتة، استخدمت السلطات المغربية خراطيم المياه في محاولة لردع المهاجرين عن العبور، بحسب شهود تحدثوا إلى «رويترز».
وفي مليلية، ثاني مدينة تتمتع بالحكم الذاتي تحت الإدارة الإسبانية في شمال أفريقيا، أظهرت مقاطع بثتها وسائل إعلام محلية ومنظمات حقوقية اشتباكات عند معبر بني أنصار الحدودي.
وأعادت الأزمة ملف الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، وسط دعوات إلى تشديد الرقابة على الحدود وخلافات بشأن المسؤولية عن إدارة التدفق.
ودعا وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني إلى تعليق اتفاقية «شنغن» مع إسبانيا، معتبرا أن هذا الإجراء «لا مفر منه» و«ضروري لحماية أمن مواطنينا والدفاع عن حدود أوروبا».
كما وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الصور الواردة من سبتة بأنها «صادمة»، وقالت إن «الهجرة غير الشرعية وغير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن حدود أوروبا».
ورد وزير الخارجية الإسباني خوسيه ألباريس باتهام تاجاني باستغلال قضية الهجرة لأغراض سياسية، واعتبر تصريحاته «غير لائقة» من «دولة شريكة وصديقة نتوقع منها التضامن الأوروبي لا الشعبوية الحزبية». كما استدعت مدريد السفير الإيطالي.
وأيدت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتانن الموقف الإيطالي، وقالت إن إسبانيا فشلت في حماية حدودها، فيما طالب المستشار الألماني فريدريش ميرتس المغرب بـ«استعادة المهاجرين غير الشرعيين فورا».
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الصور الواردة من سبتة «غير مقبولة»، وإن ما يحدث يجب أن «يتوقف فورا».
كما عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وآندي بورنهام، الذي ورد في النص بصفة رئيس الوزراء البريطاني، تقديم المساعدة إلى إسبانيا.
ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوضع في سبتة بأنه «كارثة»، محملا «قانونا ضعيفا وإدارة سيئة» المسؤولية، ومقارنا الأزمة بما قال إنه قد يحدث في الولايات المتحدة في حال انتخاب الديمقراطيين. وتقع سبتة على الساحل الشمالي للمغرب، ويفصلها عن البر الرئيسي لإسبانيا مضيق جبل طارق، فيما تمثل، إلى جانب مليلية، الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا. وتعد المدينتان موضع خلاف طويل بين الرباط ومدريد. فالمغرب يطالب بسبتة ومليلية وعدد من الجزر الصغيرة منذ استقلاله عام 1956، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءا من أراضيها، وتؤكد أنهما تتمتعان بالوضع القانوني نفسه الممنوح للأقاليم شبه المستقلة في البر الرئيسي.
وأثار التدفق الحالي مقارنات بأحداث أيار 2021، عندما دخل نحو ثمانية آلاف مهاجر إلى سبتة خلال أيام، وفقا لأحد التقديرات الواردة، فيما أشار تقدير آخر إلى وصول نحو عشرة آلاف شخص خلال الأزمة نفسها، التي تزامنت حينها مع توتر دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا.
وعززت السلطات الإسبانية خلال السنوات الأخيرة إجراءات الأمن حول سبتة ومليلية، عبر زيادة المراقبة وتدعيم الحواجز وتطوير التنسيق مع المغرب، إلا أن محاولات العبور استمرت.
وأظهرت مراجعة أجراها فريق «بي بي سي» لتقصي الحقائق لبيانات الهجرة الصادرة عن الأمم المتحدة أن 2826 شخصا عبروا إلى سبتة حتى 15 تموز 2026، فيما دخل 181 شخصا عبر مليلية.
وبلغ عدد المهاجرين الذين عبروا إلى الجيبين 994 شخصا في عام 2025، و476 في عام 2024، و467 في عام 2023، ما يوضح الحجم الاستثنائي لموجة العبور الأخيرة مقارنة بالأعوام السابقة.
ورغم أن الإجراءات الأمنية وعمليات الإعادة قد تخفض أعداد العابرين خلال الأيام المقبلة، فإن الأزمة كشفت تداخل عوامل قانونية وأمنية واقتصادية وسياسية لا يمكن اختزالها في سبب واحد.
فالتشدد على الحدود لا يعالج وحده نشاط شبكات التهريب أو دوافع آلاف الأشخاص الذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى الضفة الأوروبية، في حين تظل الرباط ومدريد أمام اختبار يتعلق بقدرتهما على تحويل تعاونهما الأمني إلى معالجة أطول أمدا لأسباب الهجرة والخسائر البشرية المتكررة في غرب البحر المتوسط.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *