كيف يراهن ترامبعلى “الرجل القوي” في الشرق الأوسط ؟


 ترجمة / المدى

تكشف مقاربة جديدة تتبلور داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تحول واضح في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى الشرق الأوسط، يقوم على دعم قادة يتمتعون بسلطة مركزية قوية، بدلاً من التشديد على التوافقات السياسية وتقاسم السلطة الذي طبع الخطاب الأمريكي خلال العقدين الماضيين. ويرى الباحث رناد منصور، في مقال نشرته مجلة Foreign Policy، أن هذه السياسة باتت تظهر بوضوح في تعامل الولايات المتحدة مع العراق وسوريا ولبنان، حيث تراهن الإدارة الأمريكية على شخصيات بعينها بوصفها أدوات لتحقيق أهدافها الإقليمية.
يرى المقال أن إدارة ترامب لم تعد تنظر إلى المؤسسات السياسية بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار، بل أصبحت تمنح الأولوية لعلاقاتها الشخصية مع قادة تعتبرهم قادرين على تركيز السلطة بيد الدولة وفرض قراراتهم.
ويستشهد الكاتب بالمواقف التي أعلنها ترامب خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ثم لقاءيه بالرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس اللبناني جوزيف عون، معتبراً أن هذه اللقاءات ليست أحداثاً منفصلة، وإنما تعكس سياسة متكاملة تقوم على بناء شراكات مباشرة مع “رجال أقوياء” يستطيعون، من وجهة نظر واشنطن، تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: تقليص النفوذ الإيراني، وإرساء قدر من الاستقرار الأمني، وفتح اقتصادات المنطقة أمام الاستثمارات والشركات الأمريكية.
ويعتبر الكاتب أن سوريا أصبحت النموذج الأكثر وضوحاً لهذه السياسة.
فبعد سنوات كان أحمد الشرع خلالها مطلوباً من الولايات المتحدة، انتهت العقوبات المفروضة على سوريا، وأزيلت التصنيفات الإرهابية عنه، بالتزامن مع انفتاح سياسي غير مسبوق بين دمشق وواشنطن.
ويشير المقال إلى أن الشرع قدم نفسه للإدارة الأمريكية بوصفه زعيماً قادراً على إعادة توحيد الدولة السورية، مع استعداد لإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، والانفتاح على الغرب، وحتى بحث ترتيبات جديدة مع إسرائيل، في مقابل حصوله على اعتراف سياسي ودعم اقتصادي.
وفي السياق نفسه، ينقل الكاتب عن المبعوث الأمريكي توم باراك تأكيده أن مستقبل سوريا ينبغي أن يقوم على “دولة واحدة، وشعب واحد، وجيش واحد”، مع رفض واضح لفكرة الفيدرالية أو استمرار الهياكل السياسية المستقلة التي نشأت خلال سنوات الحرب، بما في ذلك الإدارة الذاتية الكردية. ويعد الكاتب هذا الموقف تحولاً كبيراً عن السياسات الأمريكية السابقة التي كانت تدعو إلى تقاسم السلطة بين المكونات السورية المختلفة.
وفي لبنان، يرى المقال أن الحرب الأخيرة مع إسرائيل أضعفت القدرات العسكرية لحزب الله، الأمر الذي فتح المجال أمام صعود حكومة أكثر استقلالاً عن الحزب.
ويبرز الكاتب الرئيس جوزيف عون باعتباره الشخصية التي لفتت اهتمام إدارة ترامب، مستنداً إلى خلفيته العسكرية وإعلانه أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد أهداف عهده.
كما يشير إلى أن واشنطن دعمت خطة تتضمن نزع سلاح الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله، وربطت ذلك بإغراءات اقتصادية تتمثل في دعم مشاريع إعادة إعمار لبنان بعد الحرب، فضلاً عن دفع بيروت نحو مفاوضات مع إسرائيل كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة.

العراق… كيف أصبح علي الزيدي خيار واشنطن؟
ويخصص المقال مساحة واسعة للعراق، حيث يرى أن البحث الأمريكي عن شخصية مناسبة لرئاسة الحكومة بدأ عملياً بعد الانتخابات، عندما رفض ترامب بصورة علنية ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، معتبراً أنه قريب أكثر من اللازم من إيران.
ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة استخدمت نفوذها المالي على العراق، عبر التحكم بوصول بغداد إلى عائداتها النفطية المودعة في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما ولّد ضغوطاً دفعت القوى السياسية إلى البحث عن مرشح آخر.
وبحسب المقال، وقع الاختيار على علي الزيدي، الذي كان يعمل مصرفياً ولم يمتلك قاعدة سياسية أو تجربة حكومية، وهو ما جعله بالنسبة للنخب العراقية مرشحاً توافقياً، وبالنسبة لواشنطن شخصية يمكن دعمها بوصفها بداية لمرحلة جديدة.
ويضيف الكاتب أن الزيدي تعهد بإدماج فصائل الحشد الشعبي داخل مؤسسات الدولة، بما فيها الفصائل المقربة من إيران، إلى جانب إطلاق حملة لمكافحة الفساد، وهي ملفات تنظر إليها الإدارة الأمريكية باعتبارها جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة العراقية وتقليص النفوذ الإيراني. كما يشير إلى أن توم باراك لم يعد ينظر إلى الفيدرالية العراقية بوصفها نموذجاً ناجحاً، بل وصفها بأنها أقرب إلى “البلقنة” منها إلى بناء دولة مستقرة.
ورغم ما يصفه ترامب وأنصاره بالواقعية السياسية، يرى رناد منصور أن هذه المقاربة تعيد إنتاج سياسة جُرّبت مراراً في الشرق الأوسط ولم تحقق النتائج المرجوة.
ويضرب أمثلة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي نجح في تركيز السلطة لكنه قاد العراق إلى حروب مدمرة، وكذلك نظام حافظ وبشار الأسد، الذي حافظ على تماسك الدولة لعقود عبر القبضة الأمنية، قبل أن تنتهي التجربة إلى حرب أهلية وانهيار مؤسسات الدولة.
ويرى الكاتب أن مشروع الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل يواجه عقبات بنيوية، إذ إن تجارب دمج الجماعات المسلحة السابقة لم تؤد إلى نقل ولائها للدولة، بل حافظت تلك الفصائل على هياكلها وقياداتها الخاصة.
ويشير إلى أن بعض الفصائل المقربة من الحكومة أبدت استعداداً للتنسيق بشأن ملف السلاح، بينما رفضت فصائل أخرى، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، هذه التوجهات، ملوحة بمواجهة الدولة نفسها إذا تجاوزت الحكومة حدوداً معينة.
كما يرى أن الحرب الأخيرة مع إيران عززت دور الحرس الثوري الإيراني في إدارة الفصائل العراقية، بما يجعل فرض احتكار الدولة للسلاح أكثر تعقيداً.
سوريا ولبنان… تعقيدات تتجاوز الرؤية الأمريكية
ويشير المقال إلى أن أحمد الشرع، رغم نجاحه في تعزيز سلطته، لا يبدو مستعداً للانخراط الكامل في الرؤية الأمريكية، إذ رفض الانخراط في مواجهة عسكرية مع حزب الله، كما رفض أي تنازل بشأن الجولان، معتبراً أن ذلك سيهدد بقاءه في الحكم.
أما في لبنان، فيرى الكاتب أن الواقع أكثر تعقيداً، فحزب الله يرفض نزع سلاحه، وإيران تواصل دعمه، بينما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، الأمر الذي يجعل أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة محفوفة بخطر تفكيك الدولة نفسها بدلاً من تعزيزها. كما أن الرئيس جوزيف عون أكد أن معالجة هذا الملف ستتم وفق إيقاع الدولة اللبنانية، وليس وفق جدول زمني تفرضه واشنطن.
ويخلص رناد منصور إلى أن إدارة ترامب تعتمد سياسة تقوم على تحقيق مكاسب سريعة عبر دعم قادة أقوياء، لكنها تتجاهل الطبيعة المعقدة للبنى السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط.
ويرى أن دولاً مثل العراق وسوريا ولبنان لا يمكن إعادة تشكيلها وفق جداول زمنية أمريكية، وأن الرهان على “الرجل القوي” قد يؤدي إلى تجدد الصراعات وإضعاف النفوذ الأمريكي، بدلاً من تحقيق الاستقرار السياسي الذي تسعى إليه واشنطن.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *