بقلم: ناصر السلاموني
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل يعكس تحولات استراتيجية عميقة توحي بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ والتحالفات، بعد أن اصطدمت الولايات المتحدة وإسرائيل بواقع ميداني وسياسي يختلف كثيرًا عما كانتا تخططان له.
فبعد سنوات من الحروب والعقوبات والضغوط السياسية، لم يتحقق الهدف المعلن بإضعاف إيران بصورة حاسمة، ولم يُقضَ على حزب الله، كما لم تتمكن إسرائيل من فرض واقع سياسي جديد في لبنان أو سوريا، ولم تستطع واشنطن إحكام سيطرتها على مضيق هرمز أو فرض معادلة إقليمية جديدة في الخليج. ورغم ما حققته إسرائيل من مكاسب عسكرية في بعض الجبهات، فإن ذلك لم يكن كافيًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب أو فرض الاستقرار وفق الرؤية الأمريكية.
ومن هنا، يبدو أن واشنطن بدأت تبحث عن أدوات جديدة تحقق بها أهدافها الاستراتيجية بأقل تكلفة عسكرية وسياسية.
وفي تقديري، فإن ما يُعرف بمشروع “إسرائيل الكبرى” قد لا يقتصر على توسيع النفوذ الإسرائيلي كما يتصور البعض، بل قد يكون مدخلًا لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة، عبر صعود قوى إقليمية جديدة تتحرك في إطار تفاهمات تتقاطع مع المصالح الأمريكية، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في كل صراع.
ولعل أبرز ما يدفع إلى هذا التساؤل هو التحول اللافت في الموقف الأمريكي من الرئيس السوري أحمد الشرع. فالرجل الذي كان قبل سنوات مطلوبًا ومدرجًا على قوائم الإرهاب، ورُصدت مكافآت مالية لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه، أصبح اليوم موضع ترحيب في البيت الأبيض، وتحوّلت العلاقة الأمريكية مع دمشق بصورة لافتة، مع رفع جانب كبير من العقوبات، وإعلان إنهاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
هذا التحول السريع يؤكد أن السياسة الأمريكية لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، وإنما تحكمها المصالح وحدها. فمن كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره خصمًا، قد يصبح اليوم شريكًا إذا تغيرت الحسابات الاستراتيجية.
ولم يكن هذا التحول مجرد خطوة دبلوماسية، بل تبعته تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال فيها إن الرئيس السوري أحمد الشرع سيتولى التعامل مع حزب الله، وإنه سيكون أكثر دقة من الإسرائيليين، مضيفًا أنه “لن يهدم المباني كما تفعل إسرائيل”. وعندما سُئل عما إذا كان الشرع يحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي، أجاب: “أنا أفكر في الأمر”.
هذه التصريحات لم تكن عابرة، بل تعكس – في تقديري – تحولًا في طريقة التفكير الأمريكية. فبدلًا من الحديث عن دور إسرائيلي مباشر، بدأ الحديث عن دور سوري في معالجة أحد أكثر ملفات المنطقة حساسية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة.
ويعزز هذا الانطباع ما سبق أن صرح به المبعوث الأمريكي توماس باراك عندما أشار إلى أن استمرار الانقسام اللبناني قد يعيد لبنان إلى دائرة النفوذ السوري، كما تحدث في أكثر من مناسبة عن ضرورة الوصول إلى ترتيبات سياسية جديدة في المنطقة تحقق الاستقرار.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا أصبحت سوريا حاضرة في ملفات لبنان، والعراق، وربما في ملفات إقليمية أخرى؟
قد يكون أحد التفسيرات أن واشنطن بدأت تدرك أن إسرائيل تمتلك القدرة على خوض الحروب، لكنها لا تستطيع وحدها إدارة الشرق الأوسط بعد انتهائها، ولذلك ربما تتجه إلى بناء منظومة إقليمية جديدة، توزع فيها الأدوار بين عدد من القوى الإقليمية، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور الموجه وصاحب القرار النهائي.
وفي المقابل، يلفت الانتباه أن إدارة ترامب لم تتدخل بصورة حاسمة للحد من التوسع العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية واللبنانية، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين مؤشرًا على قبول أمريكي بفرض وقائع جديدة على الأرض، تمهيدًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي في مرحلة لاحقة.
ومن زاوية أخرى، جاءت تصريحات ترامب التي ألمح فيها إلى احتمال تنفيذ حملة برية داخل إيران بواسطة “أطراف أخرى” لتفتح بابًا واسعًا أمام التكهنات، خاصة أنه لم يسمِّ تلك الأطراف. وقد تداول بعض المحللين فرضيات تشير إلى أن أي تحرك من هذا النوع قد يستهدف مناطق استراتيجية، مثل جزيرة خرج، التي تُعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، أو السواحل الجنوبية المطلة على الخليج.
وفي السياق نفسه، لم يتردد ترامب في مطالبة دول الخليج بتحمل كلفة الحماية الأمريكية، مؤكدًا أنه يريد “استرداد أموال الولايات المتحدة”. وهي تصريحات تعكس رؤية تقوم على أن الأمن الإقليمي ليس التزامًا مجانيًا، بل خدمة يجب أن تدفع الدول مقابلها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل الهدف الحقيقي هو حماية المنطقة، أم إعادة تشكيلها بما يحقق المصالح الأمريكية والإسرائيلية أولًا؟
في ظل تصاعد المنافسة مع الصين وروسيا، تبدو الولايات المتحدة أقل رغبة في خوض الحروب بنفسها، وأكثر ميلًا إلى الاعتماد على شركاء إقليميين يتولون إدارة الملفات الأمنية والسياسية نيابة عنها، بما يحافظ على نفوذها ويحد من تمدد منافسيها.
وإذا صح هذا التوجه، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة “إسرائيل الكبرى” بالمعنى التقليدي، بل مرحلة إعادة توزيع للأدوار، تبقى فيها إسرائيل صاحبة التفوق العسكري، بينما تتولى قوى إقليمية أخرى إدارة ملفات الأمن والسياسة وإعادة الإعمار، ضمن ترتيبات تحقق المصالح الأمريكية في المقام الأول.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه التحولات أن السياسة الأمريكية لا تُدار بالشعارات، وإنما بالمصالح. فمن كان بالأمس إرهابيًا قد يصبح اليوم شريكًا، ومن كان حليفًا قد يتحول غدًا إلى عبء إذا تغيرت الحسابات. ولهذا فإن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط لا ينبغي أن تقتصر على متابعة الأحداث، بل يجب أن تمتد إلى فهم الاستراتيجية التي تحركها، لأن الوجوه قد تتغير، أما المصالح الأمريكية فتظل هي الثابت الذي يدور حوله كل شيء.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام: هل نشهد بالفعل ميلاد شرق أوسط جديد، أم أننا أمام إعادة إنتاج للمشهد نفسه بأدوات ووجوه مختلفة؟
في النهاية، قد تختلف التفسيرات وتتباين القراءات، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية، وأن ما يحدث اليوم ليس مجرد تطورات عابرة، بل إعادة صياغة لموازين القوى، تُرسم فيها الخرائط بالنفوذ والمصالح بقدر ما تُرسم بالسلاح، بينما يبقى الرابح الأكبر هو من ينجح في إدارة التحولات، لا من يكتفي بخوض الحروب.