متابعة / المدى
بدأت في منتجع بورغنستوك السويسري، أمس الأحد، أول جولة من المحادثات الأميركية – الإيرانية الهادفة إلى تحويل مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب بين البلدين إلى اتفاق دائم، بحضور وسطاء من قطر وباكستان، وسط خلافات مبكرة بشأن تنفيذ الالتزامات المتبادلة، ووضع مضيق هرمز الذي تؤكد طهران أنه لا يزال مغلقا، بينما تقول واشنطن إن الملاحة فيه مستمرة بصورة طبيعية.
ويترأس نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الوفد الأميركي، فيما يرأس رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الوفد الإيراني، في محادثات تعقد بمشاركة رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إلى جانب مسؤولين سياسيين وأمنيين واقتصاديين من الأطراف المشاركة.
وتأتي الجولة بعد توقيع مذكرة تفاهم مؤقتة لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير، إثر ضربات أميركية – إسرائيلية استهدفت إيران. وتهدف المحادثات إلى إطلاق فترة تفاوض تمتد 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي يشمل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية، والأصول الإيرانية المجمدة، والترتيبات البحرية في مضيق هرمز.
وبدأت اللقاءات الجانبية في المنتجع السويسري قبل الجلسة الرباعية، إذ التقى فانس رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مؤشر إلى الدور المركزي الذي تؤديه إسلام آباد في تثبيت مسار التفاهم. كما أفادت وكالة “تسنيم” التابعة لـ”الحرس الثوري” بأن رئيس الوزراء القطري عقد اجتماعا منفصلا مع قاليباف لبحث تنفيذ بنود مذكرة التفاهم وآليات الانتقال إلى المرحلة التالية من المفاوضات. وقالت وزارة الخارجية السويسرية إن الوفدين الأميركي والإيراني، إلى جانب الوسطاء، موجودون في بورغنستوك، وإن المحادثات تبدأ صباح الأحد. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد عقد اجتماعا مع نظيره السويسري إغناسيو كاسيس استمر نحو 45 دقيقة، قبل بدء الترتيبات الخاصة بالمحادثات الرباعية بين إيران والولايات المتحدة وباكستان وقطر. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الوفد الإيراني سيعقد اجتماعين خلال اليوم، موضحا أن اللقاءات الصباحية ستكون ثنائية مع الوفدين الباكستاني والقطري بصفتهما وسيطين، على أن تعقد بعد الظهر اجتماعات رباعية تضم وفدي إيران والولايات المتحدة بحضور ممثلين عن قطر وباكستان.
وأضاف بقائي أن الاجتماع يستمر يوما واحدا، وسيبحث، إلى جانب مسار الاتفاق النهائي، قضايا أخرى بينها إعفاءات بيع النفط الإيراني والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة. ونفى التقارير التي تحدثت عن توقيع وثيقة جديدة، مؤكدا أن مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو “لا تحتاج إلى إعادة توقيع”. وشدد على أن الهدف من اجتماع بورغنستوك ليس التفاوض على نص جديد، بل متابعة تنفيذ المذكرة، قائلا إن “تنفيذ أي اتفاق أهم من توقيعه”.
وتضم التشكيلة الإيرانية، وفق وسائل إعلام إيرانية، قاليباف وعراقجي، إضافة إلى مسؤولين كبار من المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية والبنك المركزي وقطاع النفط. أما الجانب الأميركي فيشارك فيه، إلى جانب فانس، المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وتقول طهران إن البند الثالث عشر من مذكرة التفاهم يشترط بدء تنفيذ خمسة بنود محددة قبل الانتقال إلى مفاوضات الاتفاق النهائي، وهي البنود الأول والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر. وينص البند الأول على إنهاء فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها. كما تنص المادتان الرابعة والخامسة على رفع الحصار البحري الأميركي عن إيران تدريجيا واستئناف حركة الملاحة، مقابل ترتيبات إيرانية لضمان العبور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز من دون رسوم لمدة 60 يوما.
أما المادتان العاشرة والحادية عشرة فتنصان على إصدار الولايات المتحدة إعفاءات فورية لصادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية والخدمات المرتبطة بها، إلى جانب إتاحة استخدام الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو الخاضعة لقيود.
وفرض الخلاف بشأن مضيق هرمز نفسه منذ الساعات الأولى لانطلاق المسار السويسري. فقد أعلنت “عمليات هيئة الأركان المشتركة” في إيران، السبت، إغلاق المضيق أمام حركة السفن، ردا على استمرار الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وما وصفته بـ”نقض الولايات المتحدة” للبند الأول من مذكرة التفاهم. ونقلت وكالة “فارس” التابعة لـ”الحرس الثوري” عن مصدر عسكري قوله إن مضيق هرمز لا يزال مغلقا، وإن بحرية “الحرس الثوري” لم تصدر أي تصاريح لعبور السفن حتى إشعار آخر. في المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية إن الملاحة في المضيق لم تتوقف، وذكرت أن 55 سفينة تجارية عبرت الممر المائي السبت، محملة بأكثر من 17 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية، مؤكدة أن القوات الأميركية ستضمن استمرار حركة الملاحة التجارية.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية. ولذلك يهدد أي خلاف بشأن وضعه بتحويله إلى نقطة ضغط مركزية في المحادثات، خصوصا مع تمسك إيران باستخدامه ورقة تفاوضية، ورفض واشنطن أي رسوم أو قيود إيرانية على العبور.
وفي الملف النووي، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده لا تسعى لحيازة سلاح نووي، لكنها لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم. ونقل موقع الرئاسة عنه قوله إن “ما تطلبه الولايات المتحدة هو ألا تطور إيران قنبلة ذرية. هذا ليس أمرا جديدا، ويمكننا أيضا أن نؤكد كتابة أن لا نية لدينا لتطوير قنبلة ذرية”. وأضاف: “لكننا لن نتخلى عن حقنا في التخصيب، وليس أمام الطرف الآخر خيار سوى القبول بهذا الحق”.
كما يشارك مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي في محادثات سويسرا، حيث عقد اجتماعا مع وزير الخارجية السويسري في بورغنستوك لبحث آخر التطورات المتعلقة بإيران، والمسار المقبل، ودور الوكالة. وقال غروسي إنه “في هذه اللحظة الحرجة، من المهم منح الدبلوماسية كل فرصة ممكنة للنجاح”. وحضر ملف لبنان بوصفه أحد شروط تنفيذ الاتفاق. وقال فانس إن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون من بين الملفين الأساسيين إلى جانب الملف النووي. وتقول طهران إن استمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان يمثل خرقا للبند الأول من مذكرة التفاهم، فيما تقول إسرائيل إنها ليست طرفا في الاتفاق الأميركي – الإيراني، وإنها ستواصل التصدي لأي تهديد لقواتها أو لأمنها.
وتعكس تركيبة الوفود المشاركة حجم الملفات المطروحة أكثر مما تعكس بساطة الجولة. فوجود قاليباف وعراقجي من الجانب الإيراني، وفانس وويتكوف وكوشنر من الجانب الأميركي، إلى جانب مشاركة باكستانية على مستوى رئيس الحكومة وقائد الجيش، يشير إلى محاولة تثبيت التفاهم سياسيا وأمنيا واقتصاديا في وقت واحد، بينما تبقى ملفات هرمز ولبنان والنووي الاختبار الأبرز لمصير فترة التفاوض الممتدة 60 يوما.