متابعة / المدى
يناقش وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، اليوم الخميس 18 حزيران/يونيو 2026 في بروكسل، تداعيات قرار الولايات المتحدة خفض مساهمتها في ميزانية الحلف وقدراته العسكرية، وانعكاس ذلك على أوروبا، قبل انعقاد قمة الحلف على مستوى القادة والزعماء في أنقرة خلال تموز/يوليو المقبل.
ويوفر “نموذج قوة الناتو” الإطار العام للمساهمات والقدرات التي تقدمها كل دولة عضو للحلف. ووفق تقارير إعلامية، تعتزم الولايات المتحدة تقديم عدد أقل بكثير من القاذفات الاستراتيجية والطائرات المقاتلة مستقبلا، كما سيتم سحب حاملة طائرات أميركية من المنظومة العسكرية للحلف.
وبحسب المعلومات المتداولة، لن تؤثر الإجراءات الأميركية في وضع نحو 80 ألف جندي أميركي متمركزين في أوروبا، إلا أن تصريحات متضاربة صدرت أخيرا من واشنطن في هذا الشأن. ففي مطلع أيار/مايو، أعلن البنتاغون خططا لسحب 5000 جندي من ألمانيا، قبل أن يصرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحقا بنيته إرسال “5000 جندي إضافي” إلى بولندا. وعلقت كلوديا مايور، من “صندوق مارشال الألماني” (GMF)، بالقول: “في نهاية المطاف، لا أحد يعلم حقيقة ما يجري. الأمر محير”.
كما أوقفت واشنطن خطة نشر صواريخ كروز بعيدة المدى في ألمانيا.
وتبرز أولوية تعويض المساهمات والقدرات الأميركية التي قد تسحب من الحلف. ورغم أن تعويض الطائرات المقاتلة يبدو ممكنا، فإن القاذفات الاستراتيجية لا تمتلكها حاليا سوى الولايات المتحدة والصين وروسيا. وقال يوهانس بيندر، من “معهد كيل للاقتصاد العالمي” الألماني، إن الأوروبيين “سيجدون أنفسهم عاجزين تماما بدون الأميركيين”، لكنه أضاف أن تعويض القدرات الأميركية ممكن، معتبرا أن الأمر “مسألة إرادة سياسية”.
وترى الخبيرة كلوديا مايور أن القدرة العملياتية الأوروبية تعتمد على قدرات رئيسية تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والإمداد اللوجستي، والقيادة والسيطرة، والاستطلاع، وتحديد الأهداف، والقدرات السيبرانية، وهي قدرات تفتقر إليها أوروبا إلى حد كبير أو تمتلك منها مستويات غير كافية. وقالت إنه إذا كان حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة سيتحول إلى حلف بقيادة أوروبية وبدعم أميركي، “فإن أمامنا الكثير من المهام لفعلها”.
وتعد روسيا أكبر تهديد لأمن حلف الناتو. وتلخص مايور مهمة الأوروبيين بالقول: “لا يجب أن نكون بمستوى الأميركيين، بل أفضل من روسيا”.
وخلصت دراسة أجرتها منظمة “غرينبيس” المدافعة عن السلام والبيئة، في أيار/مايو، إلى أن دول الناتو “تتفوق على روسيا في جوانب عسكرية رئيسية” حتى من دون الولايات المتحدة. غير أن أحد معدي الدراسة، ألكسندر لورز، أقر بضرورة اكتساب بعض القدرات “بكفاءة وفعالية من حيث التكلفة”، ومنها قدرات الحرب الفضائية والنقل الجوي.
وفي محاولة لتأمين القدرات الدفاعية في مواجهة روسيا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، يعتزم الأوروبيون توسيع منظومات إنتاج السلاح وتحديثها وربطها. كما اتفقت دول الناتو على زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وأطلق الاتحاد الأوروبي برامج تمويلية متنوعة، بينها برنامج “العمل الأمني من أجل أوروبا” (SAFE)، الذي أنشئ عام 2025 لتيسير عمليات التسليح المشتركة في سياق تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وإعادة التسليح الأوروبي.
لكن بيندر يشكك في فعالية بعض هذه البرامج، ويرى أنها قد تؤدي إلى مزيد من التشرذم، لأن كل دولة تدعم صناعتها الدفاعية الوطنية، قائلا: “هذا لا يسهم في بناء سوق دفاعية أوروبية مشتركة”.
ويشير ألكسندر لورز إلى أن الأمر يتعلق بتقنيات تفضل الدول امتلاكها محليا وبفرص العمل، ما يدفعها إلى الحفاظ على سيطرتها الوطنية. ويعد أن “الكارثة” التي أحاطت بمشروع طائرة FCAS المقاتلة تكشف “قوى الجمود” في قطاع الدفاع. ويقترح بيندر بديلا يتمثل في زيادة المشتريات الأوروبية، ولا سيما للتقنيات الجديدة.
وفشل مشروع الدفاع الألماني الفرنسي لتطوير طائرة مقاتلة مشتركة بعد سنوات من التحضير، وبتكلفة تقدر بمليارات اليوروهات. وقبل نحو 10 أيام، ذكرت مصادر في دوائر الحكومة الألمانية أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توصلا إلى تقييم مشترك مفاده أن شركتي “داسو” و”إيرباص” لم تتمكنا من الاتفاق على تصنيع طائرة مقاتلة مشتركة. وأضافت المصادر أن الطرفين “أقرا بهذه الحقيقة”، وأن ميرتس أشار على ماكرون، لهذا السبب، بعدم المضي في تصنيع طائرة مقاتلة مشتركة.
ومع ذلك، سيستمر التعاون بين البلدين في مجال الربط الشبكي بين أنظمة التسليح المختلفة والمنصات وأجهزة الاستشعار ضمن ما يعرف بـ”السحابية القتالية”. وبذلك، لم يلغ مشروع “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS) بالكامل. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعطيا، في تموز/يوليو 2017، إشارة انطلاق هذا المشروع.
وفي ملف الردع النووي، لم تثر إدارة ترامب حتى الآن مسألة مساهمتها النووية داخل حلف الناتو، ولم تلمح إلى سحبها. لكن الخبير ماجور يرى أن “انعدام الثقة الناتج عن القرارات الأحادية والمفاجئة”، إلى جانب “الاختلافات في إدراك التهديد، على سبيل المثال فيما يتعلق بدور روسيا”، يؤثران في “الثقة في موثوقية الردع النووي”.
ودافع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، اليوم الأربعاء، عن التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن عدم توفير بعض القدرات الجوية والبحرية للحلفاء الأوروبيين في حال نشوب نزاع. وقال روته للصحفيين: “من الإنصاف بالطبع أن يتحمل الأوروبيون حصة أكبر من الأعباء عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أوروبا”. وأضاف أنه من “الغريب إلى حد ما” أن تظل أوروبا تعتمد بهذا القدر الكبير على دولة تبعد عنها ثماني ساعات طيران للدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا.
وأكد روته أن “الولايات المتحدة ستواصل انخراطها على مستوى الأسلحة التقليدية، وبالطبع فيما يتعلق بالمظلة النووية”، في إشارة إلى آلية الردع النووي التابعة للناتو، التي تحتفظ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بموجبها بأسلحة نووية لصالح حلفاء آخرين.
ومن المقرر أن يجتمع وزراء الدفاع الأوروبيون مع نظيرهم الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، لتنسيق الخطوات اللاحقة، على أن يستمر النقاش حتى قمة الناتو في أنقرة مطلع تموز/يوليو.
وتقول كلوديا مايور إن “الولايات المتحدة تتوقع أن يقدم الأوروبيون خطة بحلول قمة أنقرة توضح كيفية استبدال القدرات الأميركية في نموذج قوة الناتو”. وتضيف أن السؤال المطروح هو: “هل سنشهد انتقالا منظما، أم انتقالا فوضويا، أم انتقالا عدائيا؟”. وتوضح أن الانتقال العدائي يعني “تصرف الولايات المتحدة ضد المصالح الأوروبية داخل الناتو”.