صراع القوة وغياب الفاعلية الدولية – وكالة اخبار المستقبل


بقلم: ناصر السلاموني

في الكواليس غير المعلنة للمشهد الدولي، تبرز باكستان كلاعب هادئ لكنه مؤثر في إدارة بعض أكثر الملفات حساسية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. وتشير تقديرات مراكز أبحاث دولية إلى أن إسلام آباد لعبت، في مراحل مختلفة، أدوارًا غير مباشرة في نقل الرسائل وتهدئة التوترات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة نسبيًا مع الطرفين.

وفي ظل استمرار مسار التفاوض غير المباشر، الذي تعزّز في فترات سابقة عبر وسطاء إقليميين مثل سلطنة عمان، تعود قضية البرنامج النووي الإيراني إلى واجهة التوتر الدولي، وسط تعقيدات متزايدة. فالمفاوضات التي ارتبطت سابقًا بـالاتفاق النووي الإيراني 2015 شهدت تحولات حادة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها عام 2018 خلال إدارة دونالد ترامب الأولى، وما تبع ذلك من إعادة فرض عقوبات مشددة على طهران.

منذ ذلك الحين، تؤكد إيران، عبر تصريحات مسؤوليها، أن أي عودة للاتفاق يجب أن تتضمن رفعًا فعليًا ومضمونًا للعقوبات، بينما تصر الولايات المتحدة الأمريكية على ضرورة عودة طهران أولًا إلى الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، وفق آليات رقابة دولية تقودها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد عكست تقارير الوكالة في السنوات الأخيرة استمرار الخلافات حول مستويات تخصيب اليورانيوم ومدى التزام إيران بالقيود الفنية.

هذا التباين يعكس فجوة عميقة في الثقة، ويجعل المفاوضات تدور في حلقة معقدة من الشروط المتبادلة، حيث تسعى كل جهة إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية دون تقديم تنازلات جوهرية.

وفي سياق أوسع، يثير هذا الملف تساؤلات متكررة حول طبيعة النظام الدولي. فبينما تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بانتشار عسكري واسع عبر قواعد وتحالفات في مناطق متعددة، يُنظر إلى أي تمدد إقليمي لـإيران باعتباره تهديدًا للاستقرار. وهو ما يعكس، وفق العديد من التحليلات السياسية، حالة من ازدواجية المعايير في تطبيق مفاهيم الأمن الدولي.

أما في ما يتعلق بملف السلاح النووي، فرغم خضوعه لأطر قانونية مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإن الواقع يشير إلى تفاوت واضح في التطبيق. فبينما تلتزم دول بقيود صارمة، تبقى دول أخرى خارج هذه الأطر، مثل إسرائيل التي يُعتقد على نطاق واسع امتلاكها قدرات نووية غير معلنة، وهو ما تؤكده تقارير بحثية دولية دون إقرار رسمي.

وفي جانب آخر، تحظر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام الأسلحة الكيميائية، وقد وثّقت في تقاريرها استخدام هذه الأسلحة في بعض النزاعات، ما أدى إلى إدانات دولية، وإن ظل الجدل قائمًا في بعض الحالات حول المسؤوليات الدقيقة، في ظل تداخل السياسة مع التحقيقات الدولية.

أما على مستوى إدارة الأزمات، فقد واجهت الأمم المتحدة انتقادات متزايدة بسبب محدودية فاعليتها في فرض حلول حاسمة، خاصة في ظل تعقيدات عمل مجلس الأمن الدولي، حيث تخضع القرارات لحق النقض (الفيتو) ومصالح القوى الكبرى، ما يحدّ من قدرة المنظمة على التدخل الفعّال في العديد من النزاعات.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا، يتجاوز الإطار النووي ليصل إلى صراع نفوذ إقليمي ودولي. ومع استمرار التصعيد غير المباشر في عدة مناطق، يبقى المشهد مفتوحًا على ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

اتفاق مرحلي يخفف التوتر دون حل جذري، أو جمود طويل يكرّس حالة اللاسلم واللاحرب، أو تصعيد إقليمي قد يخرج عن نطاق السيطرة.

وفي النهاية، لم تعد هذه المفاوضات مجرد مسار دبلوماسي تقليدي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على تحقيق توازن عادل بين القوة والقانون، في عالم تتشابك فيه المصالح، وتتصاعد فيه التحديات، وتبقى فيه موازين القوة هي العامل الحاسم في كثير من الأحيان.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *