تصعيد محسوب أم مغامرة مفتوحة؟ سيناريو التدخل البري الأمريكي في إيران


 متابعة / المدى

لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة بإمكانية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، ما أثار تساؤلات حول احتمال تدخل بري داخل إيران، خاصة مع إرسال آلاف الجنود الأمريكيين إلى الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، دون وضوح كامل لطبيعة مهامهم.
ومنذ اندلاع الحرب قبل أكثر من شهر، صعّد ترامب من لهجته تجاه طهران، مهدداً بـ”إعادتها إلى العصر الحجري” أو “ضرب منشآتها للطاقة بشكل متزامن”. وتكتسب جزيرة خرج أهمية استراتيجية بوصفها المنفذ الرئيسي لتصدير معظم النفط الإيراني، ما يجعلها محوراً حيوياً في أي حسابات عسكرية أو اقتصادية.
في المقابل، يستبعد معظم الخبراء تكرار سيناريو غزو العراق، نظراً لتداعياته السابقة وما خلفه من صراعات وعدم استقرار في المنطقة. ويشير نيسان رفاتي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن واشنطن تميز بين الغزو الشامل والعمليات المحدودة، مرجحاً إمكانية تنفيذ تدخل بري محدود يستهدف منشآت حساسة، مثل المواقع النووية أو ممرات استراتيجية كـمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
ورغم إعلان ترامب أن بلاده لم تعد تعتمد على نفط يمر عبر المضيق، فقد دعا الدول المتضررة إلى تأمين إمداداتها بنفسها، منتقداً حلفاء مثل بريطانيا لرفضهم المشاركة في “إسقاط النظام الإيراني”.
وشهد يونيو/حزيران الماضي غارات جوية أمريكية إسرائيلية استهدفت ما وصف بأنه “التهديد النووي الإيراني”، وأسفرت عن مقتل قيادات عسكرية بارزة، من بينهم محمد باقري، وحسين سلامي، وغلام علي رشيد، في عمليات اعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “إزالة لتهديد وجودي”.
ورغم ذلك، يحذر خبراء من أن أي تدخل بري، حتى وإن كان محدوداً، ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً مع تهديد الفصائل الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان، والتي سبق أن استهدفت مصالح أمريكية في المنطقة.
ويؤكد رفاتي أن أي مواجهة مباشرة ستدفع طهران للرد عسكرياً، مع استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، محذراً من اتساع رقعة الصراع ليشمل الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق باب المندب، ما قد يؤدي إلى “اختناق” حركة التجارة العالمية.
وبين عامي 2023 و2025، نفذ الحوثيون المدعومون من إيران هجمات على سفن في البحر الأحمر، ما دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها، نظراً لأهمية المضيق الذي يربط بين المحيط الهندي وقناة السويس.
من جهته، يشكك توماس جونو، الأستاذ في جامعة أوتاوا وزميل معهد تشاتام هاوس، في جدوى أي تحرك بري، معتبراً أن السيطرة على جزيرة خرج “أسهل من الاحتفاظ بها”، إذ ستكون القوات الأمريكية عرضة لهجمات مباشرة.
ويشير إلى أن تنفيذ غزو واسع يتطلب ما لا يقل عن 100 ألف جندي، مقارنة بـ150 ألفاً شاركوا في غزو العراق، لافتاً إلى أن الجغرافيا الإيرانية أكثر تعقيداً.
وتشير بيانات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن إيران تمتلك أكثر من 10% من احتياطي النفط العالمي وقرابة 15% من احتياطي الغاز، فيما أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 110 دولارات للبرميل، ما أثقل كاهل الأسواق الآسيوية.
وتتباين التقديرات بشأن تأثير الجماعات المرتبطة بإيران؛ إذ يرى جونو أن نفوذها تراجع، بينما يؤكد رفاتي استمرار خطرها، خاصة في العراق، حيث يمكن أن تستهدف المصالح الأمريكية أو ترفع كلفة الملاحة عبر التهديدات الأمنية.
وفي هذا السياق، يحذر مخلد حازم، الخبير الأمني العراقي، من تحول العراق إلى ساحة صراع، في ظل وجود فصائل مسلحة قد تتجاهل سياسات الدولة، مشيراً إلى احتمال إرسال مقاتلين لدعم إيران في حال اندلاع مواجهة برية.
كما يشير إلى أن التهديد الأكبر لا يأتي فقط من دول الجوار، بل من الداخل الإيراني، حيث يعتمد الحرس الثوري والباسيج على عقيدة “القتال حتى الرمق الأخير”، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الوعرة التي تعيق أي تقدم بري.
وعلى صعيد الخليج، ردت إيران على الضربات الأمريكية بقصف أهداف داخل دول تضم قواعد أمريكية، ما أدى إلى تضرر البنية التحتية الحيوية، وتراجع حركة الطيران، ونزوح مقيمين.
وتواجه دول الخليج معضلة استراتيجية؛ فاستمرار الحرب يجعلها عرضة للاستهداف، فيما يفرض توقفها التعايش مع إيران القريبة جغرافياً. ويرجح مراقبون أن تدفع هذه التطورات دول المنطقة إلى تنويع تحالفاتها الدفاعية.
وفي بعدٍ اقتصادي أوسع، يرى إبراهيم فهمي، الأستاذ الزائر بجامعة ستراثكلايد، أن الولايات المتحدة قد تسعى لإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية، بما يحد من نمو الاقتصاد الصيني، محذراً من أن التصعيد قد يؤدي إلى موجات تضخم غير مسبوقة عالمياً.
وفي حال توسع العمليات العسكرية، قد تواجه المنطقة خطر توقف شبه كامل لحركة التجارة البحرية، خصوصاً إذا تعطلت الملاحة في البحر الأحمر، ما ينذر بأزمة اقتصادية عالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين تصعيد محدود وتوسع غير محسوب، في وقت تتزايد فيه المخاطر الإقليمية والدولية بوتيرة متسارعة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *