أزمة لبنان تزداد حدّة باستمرار التهجير القسري الإسرائيلي لسكانها


 ترجمة المدى

أدّى التهجير القسري الجماعي لأكثر من مليون لبناني، الناتج عن أوامر الإخلاء الإسرائيلية في جنوب لبنان ومناطق أخرى يسيطر عليها حزب الله، إلى وضع البلاد أمام كارثة إنسانية، كما أجّج التوترات بين مكوّناتها المجتمعية، وأثار مخاوف بشأن تغيّر ديمغرافي دائم.
وكانت إسرائيل قد تعهّدت بتطبيق “نموذج غزة” في جنوب لبنان، حيث وجّهت جيشها لتسريع تدمير القرى على طول الحدود، وهدم جميع الجسور فوق نهر الليطاني لمنع مقاتلي حزب الله من التحرّك جنوبًا وتهديد شمال إسرائيل.
ظلّ حزب الله غير نشط لمدة 15 شهرًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، لكنه قرر الانخراط في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة نحو شمال إسرائيل في 2 مارس، بعد أقل من يومين على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
وقال الحزب المدعوم من إيران إن الضربات جاءت ردًا على العدوان الإسرائيلي وعلى مقتل خامنئي.
وقد دفع إطلاق الصواريخ الحكومة اللبنانية إلى حظر جميع الأنشطة العسكرية لحزب الله. إلا أن ذلك لم يمنع اندلاع جولة جديدة من القتال، إذ ردّت إسرائيل بحملة جوية واسعة، وأصدرت أوامر إخلاء لسكان الضاحية الجنوبية المكتظة في بيروت وعشرات القرى في جنوب وشرق لبنان.
هرب سكان هذه المناطق من منازلهم على عجل، تاركين كل شيء خلفهم بحثًا عن الأمان. وتحولت بيروت ومدينة صيدا الساحلية الجنوبية إلى ملاجئ مؤقتة، حيث ازدحم النازحون في الشوارع والأرصفة، وقضى كثيرون الليل في سياراتهم أو في أماكن مفتوحة. فداء قاروط، وهي أم لخمسة أطفال تبلغ من العمر 47 عامًا، أمضت 14 ساعة على الطريق للوصول إلى بيروت بعد فرارها من بلدتها ميس الجبل الحدودية الجنوبية — وهي رحلة تستغرق عادة ساعتين فقط بالسيارة. وهذا هو نزوحها الرابع منذ أن فتح حزب الله جبهة إسناد لغزة في 8 أكتوبر 2023، وهي فترة تكبّد خلالها الحزب خسائر كبيرة، بعدما قتلت إسرائيل قياداته العليا وقادته العسكريين ونحو 4000 من مقاتليه.
وكان من المفترض أن ينهي وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا، الحرب في 27 نوفمبر 2024. إلا أن إسرائيل واصلت عملياتها بحرية ودون قيود ضد حزب الله بعد 18 فبراير 2025، عندما سحبت الجزء الأكبر من قواتها بعد تدمير واسع للقرى في جنوب لبنان، ومقتل نحو 400 من مقاتلي الحزب والمدنيين، مع احتفاظها بخمسة مواقع استراتيجية.
وعندما عاد سكان الجنوب إلى قراهم في فبراير من العام الماضي، صُدموا بحجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل. ومع ذلك، بقوا هناك رافضين التخلي عن أراضيهم.
وتسود حالة من الشك والخوف، مع تقارير تفيد بأن عناصر مطلوبين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني يستأجرون شققًا ويختبئون فيها، رغم كونها أهدافًا للضربات الإسرائيلية، ما يعرّض حياة المدنيين للخطر.
كما تتزايد المخاوف بشأن التهجير الواسع للمدنيين، والذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه “جريمة حرب محتملة”، لأن ذلك قد يكون على نحو دائم.
وتشير تقارير إلى أن الخطط الإسرائيلية تشمل غزو جنوب لبنان، وإنشاء منطقة أمنية خاضعة للسيطرة العسكرية، مع تدمير منهجي للقرى، بل وحتى ضم أجزاء من المنطقة لمنع السكان الجنوبيين، وخاصة الشيعة، من العودة. وبذلك، سيُجبر النازحون على الاستقرار في مناطق أخرى، ما يثير مخاوف من تغيير ديمغرافي في البلاد. وقال سامي نادر، محلل شؤون الشرق الأوسط ومدير معهد المشرق للشؤون الاستراتيجية، إن إسرائيل تستخدم التهجير كأداة ضغط، أولًا على الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرار بنزع سلاح حزب الله بشكل كامل.
وأضاف: “لكن الأهم هو الضغط على حزب الله وفرض معادلة: لا عودة إلى قراكم إذا لم نحصل على الأمن، ولا أمن لسكان شمال إسرائيل.”
وتساءل: “ماذا لو لم ينسحب الإسرائيليون؟ وماذا لو طال أمد هذا الصراع مع استمرار الاحتلال للجنوب؟” وحذّر من أن تدفّق النازحين سيخلق توترات مع السنة في مناطقهم، ومع المسيحيين في مناطقهم، مضيفًا بالقول: “وإذا تم نقلهم إلى البقاع في شرق لبنان، فإن ذلك سيعيد رسم خريطة لبنان فعليًا، سيكون هذا نهاية لبنان الذي نعرفه، خاصة مع حديث بعض الإسرائيليين علنًا عن إقامة إسرائيل التاريخية.”
من جهته، قال وزير الداخلية السابق مروان شربل إن التهجير القسري الإسرائيلي يهدف إلى إثارة الانقسام وبث الفتنة بين اللبنانيين، “لكن ذلك لن يحدث”، رغم الاحتكاكات المحدودة بين بعض النازحين والمضيفين.
وأشار إلى أن هذه الحوادث يتم احتواؤها بسرعة من قبل الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، مع عمليات تفتيش مستمرة لمراكز الإيواء للكشف عن أي وجود مسلح لحزب الله.
وأضاف: “نحن نواجه وضعًا صعبًا للغاية… الجميع يدرك المخاطر”، معترفًا بالمخاوف من احتمال استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ما يمنع النازحين من العودة ويؤدي إلى “تغيير ديمغرافي” في البلاد.
لكنه استبعد هذا السيناريو، مؤكدًا أن سكان الجنوب سيعودون “حتى لو اضطروا للعيش فوق أنقاض منازلهم وفي خيام”، شرط أن تنهي إسرائيل احتلالها وتنسحب.
ويشارك معظم اللبنانيين هذا الأمل، بعد معاناتهم من حروب متكررة مع إسرائيل وصراعات داخلية وعنف وعدم استقرار على مدى الخمسين عامًا الماضية.
لكن تحقيق ذلك يتطلب مفاوضات مكثفة مع إسرائيل كجزء من أي اتفاق أوسع بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب الجارية، إذا ما تحققت هذه المفاوضات، كما يعتمد على قبول طهران بنزع سلاح حزب الله، وعلى نجاح الدولة اللبنانية والجيش في فرض سلطتهما.
وفي آخر تطور، قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت ما لا يقل عن سبع مرات خلال ليل الاثنين، مستأنفة هجماتها على العاصمة اللبنانية بعد توقف دام يومين.
واستهدفت الضربات عدة أحياء في هذه المنطقة المكتظة عادةً بالسكان، والتي كان معظم سكانها قد فرّوا بعد أوامر تهجير قسري واسعة أصدرتها إسرائيل في 5 مارس/آذار.
وضربت إحدى الهجمات محطة وقود قرب مدينة النبطية في جنوب لبنان. وخلال الأيام الأخيرة، استهدفت إسرائيل بشكل متكرر محطات وقود تقول إنها مرتبطة بحزب الله.
كما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر تهجير قسري لمناطق وسط مدينة صور الساحلية الجنوبية، التي كان العديد من سكانها قد نزحوا بالفعل نحو الشمال.
وتواصل إسرائيل عمليتها البرية في جنوب لبنان، في ظل تعرضها لإطلاق نار متكرر من قبل حزب الله.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يوم الثلاثاء، إن الجيش يسعى إلى إقامة “منطقة أمنية” جديدة جنوب نهر الليطاني.
وأضاف أن مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان الذين تم تهجيرهم قسرًا لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم حتى “يتم ضمان أمن سكان الشمال” في إسرائيل.
عن صحف ووكالات عالمية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *