سمير السعد
بالوقت الذي تكثر فيه خطابات الكراهية، وتتحيّن فيه الأفكار المنحرفة فرصها لتتسلل إلى العقول قبل الحدود، يبقى العراق واقفاً على تخوم الوعي، حارساً لقيمه، مدافعاً عن إنسانيته. ومن رحم تجربته المريرة مع التطرف، لم يكتفِ بالمواجهة الميدانية، بل بادر إلى تحويل الألم إلى مبادرة عالمية، حين اقترحت اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب في العراق اعتماد يومٍ عالمي لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب، وهو ما أقرّته الجمعية العامة لـ الامم المتحدة ليغدو صوت العراق جزءاً من الضمير الدولي في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة. لم تكن معركته مع التطرف العنيف مجرّد مواجهة أمنية عابرة، بل كانت صراعاً وجودياً بين نور الدولة وظلام الفوضى، بين ثقافة الحياة ومنطق الموت.
في اليوم العالمي لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب، نستحضر تجربة وطنٍ عرف الألم، لكنه حوّله إلى مشروع وعي، واستثمر جراحه ليصنع منها دروساً للعالم.
لقد كان العراق في طليعة الدول التي واجهت أخطر موجات التطرف، ولا سيما خلال اجتياح تنظيم داعش لمدنه عام 2014، حين تحوّلت المعركة إلى دفاع عن الإنسان والتعددية والهوية الوطنية. كانت معركة قيم بقدر ما كانت معركة سلاح، وانتصرت فيها إرادة العراقيين بوحدتهم وتكاتفهم.
ومن رحم تلك التجربة، جاء اقتراح العراق اعتماد يوم عالمي لمكافحة التطرف العنيف، وهو ما تُوّج بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة عكست ريادته ومسؤوليته الدولية في تحويل التجربة الوطنية إلى مبادرة أممية تخدم السلم العالمي.
في داخل العراق، تضطلع “اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب” بدور محوري في تحصين المجتمع، عبر رؤية شاملة لا تكتفي بردّ الفعل، بل تؤسس للوقاية المبكرة ومعالجة الأسباب الجذرية. وتعمل اللجنة، من خلال لجانها المركزية والفرعية في المحافظات، على مدّ جسور التفاهم، ورصّ الصفوف، وتعزيز اللحمة الوطنية، ونبذ خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الحوار والاعتدال. وقد أثبتت أن القوة الناعمة — من تعليم وثقافة وإعلام وخطاب ديني مستنير — هي السدّ الأول في وجه الفكر المنحرف.
وتتبنّى مستشارية الأمن القومي مفهوم الأمن الشامل، الذي يربط بين الأمن الوطني والاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة، واضعاً الإنسان في قلب السياسات العامة. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل يُبنى بالعدالة وتكافؤ الفرص والاندماج المجتمعي.
شكّلت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف العنيف إطاراً جامعاً لتوحيد الجهود، ونقلت العمل من منطق الاستجابة الطارئة إلى التخطيط الوقائي طويل الأمد. وهي ترتكز على الوقاية المبكرة، وإعادة التأهيل، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي قد تُعيد إنتاج التطرف.
وفي ظل تصاعد ما يُعرف بالتطرف الرقمي، تبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية والثقافية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، لأن المعركة اليوم تدور أيضاً في الفضاء الإلكتروني، حيث تتشكل القناعات وتُبنى الاتجاهات.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن العمل التكاملي هو الأساس، وأن أي جهة بمفردها لا تستطيع حسم هذه المواجهة المعقدة. ومن هنا يجدد العراق التزامه كشريك موثوق في الجهود الدولية، مؤمناً بأن الاستثمار في الإنسان والعقل والعدالة هو الطريق الأضمن لبناء أمن مستدام وسلام دائم.
إن مواجهة التطرف العنيف ليست حملة عابرة، بل مسار وعي طويل، ومسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الأجيال القادمة.
العراق الذي انتصر على الإرهاب بالسلاح، ينتصر اليوم بالفكر. والعراق الذي دافع عن أرضه، يدافع الآن عن عقول أبنائه.
فحين تتوحد الإرادة، وتعلو قيمة الإنسان فوق كل انحراف، يصبح الوطن أقوى من كل تطرف، وأبقى من كل فكر ظلامي.
وهنا يكمن جوهر الرسالة: عراقٌ يصون الحياة… ويبني السلام..