بوش وترامب ، بين احتلال الدولة وإشعال المنطقة – وكالة اخبار المستقبل


كتب رياض الفرطوسي

هناك فرق بين من يدخل الحرب وهو يحمل خريطة، ومن يدخلها وهو يحمل عود ثقاب. هذا الفارق يختصر المسافة العميقة بين جورج دبليو بوش ودونالد ترامب، ليس فقط في القرار السياسي، بل في طريقة تخيّل الحرب نفسها.

الأول قاد غزو العراق عام 2003 بوصفه مشروعاً كاملاً لإعادة تشكيل دولة. الثاني يخوض مواجهة مع إيران بوصفها اختباراً مفتوحاً للقوة، بلا نهاية مرسومة ولا حتى وهم نهاية. كلاهما استخدم فائض القوة الأمريكية، لكن أحدهما حاول أن يبني نظاماً، بينما الآخر يدفع نحو فوضى قابلة للاشتعال في أي لحظة.

الفارق هنا ليس نظرياً. إنه الفرق بين احتلال يهبط بثقله على الأرض، يفتت مؤسسات الدولة ويعيد تشكيل المجتمع من الداخل، وبين حرب تحوم في السماء، تضرب وتنسحب، لكنها تفتح أبواب الجحيم ببطء، وتترك الإقليم كله على حافة انفجار دائم.

عند جورج دبليو بوش، كانت الحرب رواية مكتملة. عدو واضح، مبرر معلن، هدف محدد. أسلحة دمار شامل، نشر الديمقراطية، إعادة صياغة الشرق الأوسط. خطاب متماسك ظاهرياً، يمنح الحرب غطاءً أخلاقياً، حتى لو كان هذا الغطاء هشاً أو مضللاً. لم تكن المسألة مجرد إسقاط نظام، بل تفكيك دولة وإعادة تركيبها وفق تصور جاهز.

لكن ما بدا هندسة سياسية، تحول إلى تفكيك شامل. الدولة لا تُهدم ثم تُبنى بقرار. الفوضى لم تكن نتيجة جانبية، بل مآلاً طبيعياً. حلّ المؤسسات، تفريغ السلطة، إطلاق تناقضات المجتمع دفعة واحدة، كل ذلك صنع حرباً أطول من الغزو نفسه، حرباً بلا جبهة واضحة، لكنها أكثر قسوة وامتداداً.

أما دونالد ترامب، فلا يتحدث عن إعادة بناء، بل عن كسر الإرادة. الحرب عنده ليست مشروع دولة، بل أداة ضغط قصوى. لا خطة لما بعد، ولا حتى ادعاء بوجودها. الهدف ليس احتلال الأرض، بل إخضاع الخصم عبر إنهاكه، اقتصادياً وعسكرياً ونفسياً.

وهنا يظهر الفارق الحاد. بوش بالغ في وهم السيطرة، ترامب يتعامل مع الفوضى كأداة.

في العراق، كانت الحرب ملموسة، جنود، دبابات، احتلال يومي يدخل في تفاصيل الحياة. أما في المواجهة مع إيران، فالحرب أكثر سيولة، صواريخ بعيدة، طائرات مسيّرة، ضربات دقيقة، لكنها واسعة الأثر. حرب بلا وجه مباشر، لكنها تمتد إلى كل بيت عبر الخوف والقلق وانعدام اليقين.

ومع ذلك، يجمع الرجلين خيط واحد، تبسيط العالم إلى معادلة حادة، نحن وهم. لكن بوش احتاج إلى تحالف، إلى لغة دولية تمنح قراره شرعية شكلية. ترامب لا يرى في ذلك ضرورة. القوة عنده لا تحتاج إلى ترجمة، بل إلى عرض مباشر.

الاختلاف أيضاً في الدافع. بوش تحرك من مناخ الخوف بعد 11 سبتمبر، خوف من تهديد قادم. ترامب يتحرك من قلق مختلف، قلق التراجع، فقدان الهيبة، عالم يتغير أسرع مما تحتمله فكرة السيطرة التقليدية.

لهذا تبدو حرب العراق، رغم مأساويتها، وكأنها بداية مشروع. بينما تبدو المواجهة مع إيران كمسار مفتوح على احتمالات لا يمكن ضبطها، تراكم ضربات بلا أفق سياسي واضح.

ربما كان بوش يعتقد أنه يصنع عالماً جديداً، وربما يعتقد ترامب أنه يعيد ضبطه. لكن ما تكشفه الوقائع أبسط وأشد قسوة، الحروب لا تُصنع في غرف القرار وحدها، بل تُكتب فصولها في البيوت، حين تُفتح الأبواب فجأة على المجهول، وحين يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية لا حدثاً عابراً.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *