ترجمة عدنان علي
أصبحت أروقة نيودلهي مركزًا محوريًا للحوار التكنولوجي العالمي، حيث يجتمع القادة السياسيون وصناع السياسات وكبار المسؤولين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا لحضور قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند. في الوقت الذي ينتقل فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة من المختبرات التجريبية إلى صميم الاقتصادات والمجتمعات، تُرسّخ الهند مكانتها ليس فقط كسوق ضخمة أو مركز للمواهب، بل كقوة فاعلة تُشكّل كيفية إدارة الذكاء الاصطناعي ونشره ومشاركته على مستوى العالم. تُعدّ هذه القمة، التي حضرها نحو 20 رئيس دولة وحكومة إلى جانب أبرز قادة التكنولوجيا في العالم، الأولى من نوعها التي تستضيف فيها دول الجنوب العالمي تجمعًا عالميًا رفيع المستوى في مجال الذكاء الاصطناعي.
عندما افتتح رئيس الوزراء ناريندرا مودي القمة، فعل ذلك في ظل زخم دولي متجدد للهند. فبعد عام اتسم بالتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين التجاري، دخلت الهند عام 2026 بعلاقات مُعززة مع الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك اتفاقيات تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتركيز متجدد على محركات النمو طويلة الأجل. توفر قمة تأثير الذكاء الاصطناعي منصةً مناسبةً لتوقع هذا الانتعاش في المستقبل الرقمي. ومن بين القادة الحاضرين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وشخصيات بارزة من منظومة التكنولوجيا العالمية، من بينهم سام ألتمان، وسوندار بيتشاي، وداريو أمودي، ورئيس شركة مايكروسوفت براد سميث.
تستند مصداقية الهند في النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي بشكل كبير إلى خبرتها في بناء بنية تحتية رقمية عامة على المستوى الوطني. وقد أثبتت منصات مثل الهوية الرقمية والمدفوعات الفورية إمكانية نشر هذه التقنية لأكثر من 1.4 مليار نسمة بتكلفة منخفضة وموثوقية عالية. وفي القمة، أكد وزير الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، أشوني فايشناو، أن هذه الخبرة تُشكّل الآن أساس نهج الهند في مجال الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن التركيز ينصب على الذكاء الاصطناعي الذي يُحقق أثراً ملموساً على نطاق واسع، بدلاً من أن يبقى حكراً على فئة معينة أو تقنية حصرية. وقد فعّلت الهند بنية تحتية حاسوبية مشتركة تضم أكثر من 38 ألف وحدة معالجة رسومات متطورة، مما يُمكّن الشركات الناشئة والباحثين والمؤسسات العامة من الوصول إلى إمكانيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة دون تكاليف باهظة مُسبقاً. وتهدف هذه الاستراتيجية، التي تُعطي الأولوية للبنية التحتية، إلى توسيع نطاق المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي واعتماده في مختلف القطاعات والمناطق.
ويتمثل أحد المحاور الرئيسية لجهود الهند في القمة في ضرورة التوصل إلى توافق عالمي بشأن الملكية الفكرية وحقوق التأليف والنشر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. مع تدريب نماذج لغوية ضخمة وأنظمة أساسية أخرى على مجموعات هائلة من المعارف الموجودة، بما في ذلك المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر، تواجه الحكومات في جميع أنحاء العالم تحديًا يتمثل في كيفية حماية المبدعين مع الحفاظ على الابتكار. وفي كلمة ألقاها في مؤتمر مشترك مع الرئيس التنفيذي لرابطة الأفلام السينمائية، تشارلز ريفكين، أوضح فايشناو دعوة الهند إلى حلول تقنية قانونية تجمع بين الضمانات القانونية والضوابط التقنية. وقال إن الهدف هو ضمان حماية الإبداع البشري وتعزيزه، مما يسمح للمبدعين بتوظيف مهاراتهم بثقة مع تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من التطور بمسؤولية. وقد أيّد كبير المستشارين العلميين في الهند، أجاي سود، هذا النهج، مشيرًا إلى نجاح البلاد في البنية التحتية الرقمية العامة كنموذج لأطر أمان الذكاء الاصطناعي التي تتسم بالمتانة والمرونة.
لطالما صوّر المسؤولون الهنود بلادهم كجسر يربط بين الاقتصادات المتقدمة والدول النامية الساعية إلى حلول ذكاء اصطناعي ميسورة التكلفة ومفتوحة المصدر وموجهة نحو التنمية. ويشير كبار المحللين إلى أن هذا التوجه يعزز مكانة الهند الدبلوماسية. وإدراكًا منها لضرورة مواءمة المعايير والبنية التحتية مع القدرات البشرية، ربطت الهند استراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي ارتباطًا وثيقًا بالتعليم وتنمية المهارات. وقد اقترحت الميزانية العامة للاتحاد للسنة المالية 2026-2027 إنشاء مختبرات لصناع محتوى الفيديو والألعاب في 15 ألف مدرسة ثانوية و500 كلية على مستوى البلاد، بهدف دمج المهارات الإبداعية والرقمية ضمن نظام التعليم الرسمي. ومع توقعات القطاع بأن قطاع الفيديو والألعاب وحده سيحتاج إلى ما يقرب من مليوني متخصص بحلول عام 2030، تهدف هذه المبادرات إلى مواءمة تنمية المواهب مع الفرص الاقتصادية الناشئة.
ومن المتوقع أن يُسهم شباب الهند الملمّون بالتكنولوجيا وانتشار شبكات الجيل الخامس في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. ورغم أنه لا يُتوقع أن تُسفر قمة تأثير الذكاء الاصطناعي عن معاهدة دولية ملزمة، إلا أن أهميتها تكمن في وضع جدول الأعمال. أوضحت الهند أنها لا تعتبر نفسها مجرد متلقية للقواعد أو واضعة لها بشكل منفرد، بل مشاركة فعّالة في صياغة معايير عالمية عملية وقابلة للتطبيق. وتعكس القمة إدراكًا متزايدًا بأن فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره وقواعده لا يمكن أن تُحددها حفنة من الدول أو الشركات بمفردها. ومع استمرار المناقشات طوال الأسبوع، تظل رسالة الهند ثابتة ومتطلعة للمستقبل: يجب أن يخدم الذكاء الاصطناعي البشرية، ويعزز الاقتصادات، ويوسع الفرص على نطاق واسع. ومن خلال سعيها الحثيث نحو معايير عالمية للذكاء الاصطناعي قائمة على التعاون والثقة، تؤكد الهند مكانتها ليس فقط في سباق الذكاء الاصطناعي، بل في تحديد قواعد العصر الخوارزمي.