مهند الكيلاني
في مستهل هذا الطرح استوقفني ما قاله الزميل الصحفي هادي جلو مرعي حين أكد أن الهامش الأخلاقي أهم من الاحتراف المهني فالمهارة تُكتسب بالتدريب أما الأخلاق فلا تصنع بالدورات . هذه المقولة لا يمكن التعامل معها كعبارة عابرة بل هي مدخل فكري عميق لإعادة قراءة واقع الإعلام وتشخيص الخلل من جذوره.
وفي خضم السباق نحو المهنية والاحتراف كثيراً ما يجري اختزال العمل الإعلامي في أدواته سرعة الوصول إلى الخبر دقة الصياغة مهارة الإخراج وإتقان تقنيات النشر عبر وسائل التواصل غير أن هذا الفهم القاصر يتجاهل حقيقة أكثر عمقاً وهي أن الإعلام قبل أن يكون مهنة هو مسؤولية أخلاقية. فالمهنية بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة تضليل متقنة بينما الأخلاق تمنح المهنية معناها وشرعيتها
إن الدعوة إلى جعل الأخلاق ثورة تسبق المهنية ليست ترفاً فكرياً بل ضرورة إصلاحية فالمهارة يمكن صقلها عبر التدريب والخبرة لكن القيم هي التي تضبط اتجاه هذه المهارة قد يمتلك الصحفي قدرة عالية على التأثير لكن السؤال الأهم في أي اتجاه يوظف هذا التأثير هل لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة أم لإثارة الانقسام وتغليب المصالح الضيقة
الثورة الأخلاقية المنشودة تعني إعادة تعريف النجاح في الإعلام النجاح ليس في عدد المشاهدات فقط ولا في سرعة الانتشار بل في مصداقية الطرح واحترام عقل المتلقي وحفظ الاستقرار المجتمعي الإعلام الذي يلهث خلف الإثارة على حساب الدقة يحقق مكاسب آنية لكنه يخسر ثقة الجمهور على المدى البعيد
كما أن معالجة الخلل لا تتوقف عند الأفراد بل تمتد إلى البيئة المؤسسية والنظام الذي يحتضن العمل الإعلامي حين تكون المعايير واضحة والمساءلة حاضرة والالتزام بالقيم غير قابل للمساومة فإن المهنية تزدهر في إطار أخلاقي متين أما حين تختل البوصلة فإن الاحتراف يتحول إلى غطاء شكلي يفتقر إلى الروح.
إن الإعلام شريك في بناء الدولة وتعزيز وعي المجتمع لا أداة لإضعافه وحرية التعبير تظل قيمة عليا لكنها تقترن دائماً بالمسؤولية واحترام السيادة الوطنية ومن هنا فإن جعل الأخلاق ثورة قبل المهنية ليس شعاراً بل مشروع إصلاح يعيد ترتيب الأولويات الأخلاق أولاً… لتكون المهنية امتداداً لها لا بديلاً عنها.